رسالة أمريكية إلى الرسمية الفلسطينية..لا وقت لديكم!
نشر بتاريخ: 2026/01/22 (آخر تحديث: 2026/01/22 الساعة: 16:14)

في عام 1988، ومع انطلاقة الانتفاضة الوطنية الكبرى، أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية تعديلا على نظريتها القائمة على خلق بدائل لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، بعدما فشلت كليا بذلك، خاصة مع تثبيت قمة عمان يونيو 1987 ذلك، ما أدى إلى البحث عن صيغ جديدة، فكان التعديل المنطلق من خلق "بديل موازي" وليس بديل كامل، مررته من خلال تقرير لمعهد واشنطن للدراسات، الذي يديره بشكل أساسي يهود أمريكان منتمين للصهيونية الفكرية – السياسية.

نشر التقرير الأمريكي مع الخيار الجديد، توافق مع إعلان جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وفلسطين، توحيد عملهم للمرة الأولى منذ عام 1951 الحاق الضفة بالأردن، وتشكيل حركة سياسية عسكرية باسم حماس (حركة المقاومة الإسلامية).

وكانت هناك مؤشرات مهمة توافقت من هذه الحركة الجديدة والرغبة الأمريكية في خلف بديل موازي، حيث لم يحمل اسم حماس الكامل أي تعبير فلسطيني، فكانت الإشارة الأولى، ومقر قيادتها المركزية كان عمان، وهي مفارقة كبرى بعدما منعت الأردن وجود أي فصيل مسلح بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 1970، فكانت الإشارة الثانية عما سيكون دورها، ومارست نشاط عسكري ضد دولة الاحتلال، دون أن يغضب ذلك تل أبيب أو المخابرات الأردنية، واستمر بتصعيد بعد توقيع اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) سبتمبر 1993، وتلك إشارة ثالثة، إلى أن توقف حين انتخاب عدو الاتفاق نتنياهو 1996، لتنهي الأردن وجود حماس قيادة ومكاتب، وترسلها إلى سوريا وقطر وبلاد فارس، فكانت الإشارة الرابعة، ولكن الإشارة الأكثر أهمية رفض حماس القيام بأي نشاط ضمن "القيادة الموحدة" للانتفاضة، واستمرت بالنشاطات الموازية خلال تلك السنوات.

استعادة جوهر الرؤية الأمريكية ضد منظمة التحرير بصفتها التمثيلية، ودعم حماس لتكون بديلا موازيا، مع تحقيق كثيرا من أهدافهم بعد عام 2005، إلى مؤامرة أكتوبر 2023، التي بدأت خيوطها تتكشف بأنها ثغرة عبور للتغيرات الجذرية في المنطقة، لكن الأساسي هو استغلالها لتغيير جوهر التمثيل الوطني، وخلق أدوات محلية، تكون تنفيذية للمشروع السياسي الجديد، المنطلق من تهويد أرض دولة فلسطين، المعترف بها في الأمم المتحدة، مع خلق ملامح كيانية في قطاع غزة، وجزر خاصة في الضفة، وإنهاء القدس كمدينة فلسطينية.

المشروع الأمريكي الجديد، يقوم على الابتعاد عن الاعتماد على السلطة الفلسطينية كشريك وحيد، والبحث عن بدائل أكثر فعالية، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب في غزة، من خلال نماذج حكم جديدة، مستلهمة من تجربة لجنة إدارة غزة، بهدف إقامة إدارة تكنوقراطية، تحت ستار تحقيق "استقرار أمني وازدهار اقتصادي" في الضفة الغربية، مما يمهد الطريق لنموذج حكم جديد، في ظل الفشل الإداري والفساد في السلطة الفلسطينية والذي لا يمكن إصلاحه من الداخل، مما يستدعي تغييرات جذرية، مستندة إلى غياب قوة الدعم العالمي الذي كان سابقا، وأن الفاعلين الدوليين يبحثون عن إدارة مستقرة بأقل كلفة سياسية، مما يدفعهم لتبني مقاربات تتجاوز الأساليب التقليدية.

التقرير الأمريكي ليس بحثا "أكاديميا"، كما قد يراه البعض البليد سياسيا وفكريا، بل هو مشروع رؤية مسبقة لما تفكر به الإدارة الأمريكية الراهنة، وعبرت عنه بأشكال مختلفة، ليس فقط باعتبار الضفة والقدس أرض يهودية، بل مسارها السياسي يتحدث عن "خلق بديل" سياسي تمثيلي خال من الجين الكفاحي أولا، ومستجيب للهدف الأمريكي النهائي، بفصل قطاع غزة عن الضفة والقدس، والاكتفاء بحالة كيانية تحت السيادة الأمنية الإسرائيلية في القطاع، وسيادة إسرائيلية في الضفة والقدس، على أن تجد "نموذج خاص" بين الضم واللا ضم.

التقرير الأمريكي يكشف حقيقة تجاهلها الكثيرون، بأن الموقف الأمركي يمثل بعدا انتقاميا من اتفاق إعلان المبادئ 1993، الذي كسر النظرية التلمودية في تهويد الضفة الغربية والقدس، وأقر لأول مرة بأنها أرض فلسطين، من خلال اتفاق إعلان المبادئ، وهو ما تعارض جوهريا مع السياسية الأمريكية في المنطقة، القائم على منع وجود كيان فلسطيني مستقل.

التقرير الأمريكي كشف مدى قيمة الخدمات التاريخية التي قدمتها حركة حماس، وتحالفها التابع في خدمة المشروع المعادي للوطنية والكيانية الفلسطينية، منذ 1988 حتى آخر منتجها الكارثي بتنفيذ المؤامرة الأكبر أكتوبر 2023.

التقرير الأمريكي حول خلق بدائل للسلطة الفلسطينية وتجازوها، بعدما أصابها إنهاك شمولي، رسالة صارخة بالوضوح، تستوجب نهوضا رسميا من "سبات أهل المقاطعة" الذي طال أمده.