بدون فلتر وسناب
نشر بتاريخ: 2026/06/24 (آخر تحديث: 2026/06/24 الساعة: 19:00)

وسط هذا الزحام الخانق الذي يملأ الشوارع بالأفراح والتجمعات بالمباريات والمنصات بالسياسة والأدب، ثمة سؤال يعلو فوق الضجيج: لماذا الآن؟ وكيف تنفجر الرغبة بالحياة وسط الموت؟!

بلا مقدمات، تجد طفلةً تلهو، وامرأةً تزين طفلتها، وأخرى تكتب أو تعزف لحن الصمود، وكأنهنّ يسابقن ذاك "الخط الأصفر" اللعين. لقد تلوّنت خطوطهن الباهتة، وعلت صرخاتهن المكتومة فوق ضجيج القنابل.

تحدث نيتشه يوماً عن المعاناة كطاقة بشرية كامنة، مبهوراً بقدرتنا على تدوير الموت وتحويله إلى وقود للحياة. ولعل السر يكمن هنا؛ فوسط كل هذا الموت، انفجرت رغبتنا في أن نعلن جدارتنا بالوجود عبر أقلامنا.

ربما صنّفنا أحدهم بأننا لسنا كاتبات أو محللات، ولكننا جديرات بأن يُسمع صراخ أقلامنا؛ فالأزمات الكبرى تفتح في الوعي نوافذ مواربة، وتمنحنا رئةً بديلة لنزفر الثقل القابض على الصدور. والمدهش أن الوجع وفّر لنا حبراً بكل ألوان الكون.

وفي الوقت الذي يزحف فيه الخط الأصفر ليحشرنا في الضيق، وتصبح الشواطئ خياماً والرمال قاسية، يأتي ردنا على هيئة كلمات وألوان ومواقف؛ رسامون يحاصرون الوجع بريشة صادقة، وشعراء غسلوا الحروف بالدمع فخلدت قصائدهم، وكاتبات سكبْن النثر ليسلّطن الضوء على زوايا منسية.

أما الأشد جرأة، فقد وضعوا بكلماتهم القاسية حبل المشنقة حول عنق العجز والظلم، على أمل أن يضيق الخناق يوماً.

ومن بين كل تلك الأصوات، يبرز صوت المرأة أكثر التصاقاً بالحياة اليومية وأثقالها. فكيف إذا كانت صاحبة هذا القلم والإبداع امرأة؟

وليست أي امرأة؛ امرأة تدير خلف الكواليس جمهورية يومية كاملة، زوجة تقبض على جمر الأيام، ومربية تصنع من اللاشيء أملاً، وعاملة تطحن الصخر لتستمر الحياة. تجمع شتات البيت والقلب، ثم تمسك في المساء قلمها لتكتب تاريخاً آخر، وتزفر الوجع برقي الكلمات.

عاشت تلك الأقلام الحرة، وسلمت يمين كل من خطّ حرفاً ليحمي الذاكرة ويردد بثبات:

"أنا الصخرة العالية، لا تقتلعها الرياح، ولا تنال منها عواصف الأيام."