غزة: اتفاق لا ينفذ وحرب تدار بدون إعلان
نشر بتاريخ: 2026/07/06 (آخر تحديث: 2026/07/06 الساعة: 15:49)

هل أصبحت “اللجنة لمتابعة العمل الحكومي” في قطاع غزة هي العقبة أمام إنهاء الحرب؟ هذا ما قد يتبادر إلى ذهن من يتابع الضجة التي أُثيرت خلال اليومين الماضيين حول الأنباء المتداولة بشأن حلها، تمهيدًا لتمكين لجنة إدارة غزة من تسلم المهام الإدارية. وسرعان ما ارتفعت سقوف التوقعات لدى الفلسطينيين، وربط كثيرون بين هذه الخطوة وبين اقتراب التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب المستمرة منذ أكثر من ألف يوم.

هذا التفاؤل مفهوم في ظل ما يعيشه الفلسطينيون من قتل وتجويع ونزوح وانهيار لكل مقومات الحياة. لكن قراءة أكثر هدوءًا تقود إلى نتيجة مختلفة: المشكلة لم تكن يومًا في وجود لجنة إدارية أو غيابها، بل في استمرار إسرائيل في الالتفاف على اتفاق وقف إطلاق النار، وإعادة التفاوض على بنوده كلما اقترب موعد تنفيذه.

فالحديث عن حل اللجنة يمنح انطباعاً بأن العقبة الأساسية أمام تنفيذ الاتفاق كانت ترتيبات إدارة القطاع، بينما تكشف الوقائع أن الخلاف الحقيقي كان، وما يزال، حول إنهاء الحرب نفسها. فقد نص الاتفاق على الانتقال إلى مرحلة ثانية تشمل وقفًا دائماً لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدء عملية الإغاثة وإعادة الإعمار، وهي المبادئ التي اكتسبت أيضًا شرعية دولية بعد تبنيها بقرار من مجلس الأمن. ومع ذلك، لم تلتزم إسرائيل بالانتقال إلى هذه المرحلة، بل واصلت الحرب، واستمرت في فرض وقائع جديدة على الأرض.

ومنذ أشهر طويلة، تواصل إسرائيل خرق الاتفاق عمليًا عبر استمرار العمليات العسكرية والاغتيالات والقصف وسياسة التجويع واستهداف الفلسطينيين، فيما جرى تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية، وتحويل بنود الاتفاق إلى مساحة تفاوض مفتوحة تُضاف إليها شروط جديدة لم تكن جزءًا من النص الأصلي.

وخلال الأيام الأخيرة، أعاد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو التأكيد على أن الحرب لن تنتهي قبل نزع سلاح حركة حماس، وهو ما يشكل المحور المركزي في مفاوضات القاهرة، حيث تمارس ضغوط أميركية وإقليمية ودولية لدفع هذا المسار إلى الأمام. وفي الخلفية، تتحرك تصورات أميركية–إسرائيلية حول “اليوم التالي” في غزة، تربط أي ترتيبات سياسية أو إنسانية بملف نزع السلاح وإعادة تشكيل الواقع الأمني والإداري في القطاع.

لكن المفارقة أن استمرار الحرب، بصيغتها الحالية منخفضة الوتيرة، يبدو جزءاً من إدارة هذا المسار التفاوضي ذاته. فما يجري اليوم ليس تنفيذًا لاتفاق وقف إطلاق النار، بل استخدامًا لاستمرار الحرب كوسيلة لفرض نتائج التفاوض. فطالما لم تُحسم قضية نزع السلاح، يواصل نتنياهو إدارة حرب منخفضة الوتيرة لكنها عالية الكلفة على المدنيين، بما يحقق جزءًا من أهداف الحرب دون العودة إلى عملية عسكرية شاملة أو الذهاب إلى وقف نهائي لإطلاق النار. وفي الوقت نفسه، تتحول الحرب إلى أداة ضغط سياسية وإنسانية متواصلة داخل مسار التفاوض.

وهنا تبرز زاوية داخلية لا تقل أهمية. فنتنياهو لا يتحرك فقط ضمن حسابات الميدان، بل أيضًا ضمن حسابات سياسية داخلية. فخطابه المتكرر حول “النصر المطلق” يترافق مع نشاط إعلامي مكثف خلال الأيام الأخيرة لتسويق ما يصفه بـ“الإنجازات” العسكرية والسياسية، في سياق لا ينفصل عن الاعتبارات الانتخابية وصورة الحكومة أمام الجمهور الإسرائيلي. وبهذا المعنى، يصبح استمرار الضغط العسكري جزءاً من بناء الرواية السياسية الداخلية، وليس فقط أداة تفاوض خارجي.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: بينما ينشغل الفلسطينيون بالحديث عن حل لجنة إدارية، تبدو إسرائيل منشغلة بإعادة صياغة الاتفاق نفسه، وإعادة تعريف شروط تنفيذه. فبدل الانتقال إلى المرحلة الثانية كما نص الاتفاق، جرى استبدالها بسلسلة من الشروط: نزع السلاح، ترتيبات أمنية، إعادة تشكيل إدارة القطاع، وربط الإعمار بهذه الشروط. وهكذا يتحول الاتفاق من وثيقة ملزمة إلى مسار تفاوضي مفتوح تتغير قواعده باستمرار.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن تعقيد ملف نزع السلاح يرتبط أيضًا بسؤال أوسع يُطرح في المفاوضات الجارية حول مستقبل حركة حماس ودورها في إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب. إذ تربط إسرائيل ومعها أطراف دولية بين أي ترتيبات سياسية أو أمنية وبين إعادة تعريف موقع الحركة أو تقليصه بشكل جذري، وصولًا إلى إنهاء دورها الحاكم في القطاع. غير أن غياب تصور انتقالي متفق عليه حتى الآن يجعل هذا الملف مفتوحًا على صراع إرادات، ويمنح إسرائيل مساحة أوسع لتوظيفه كشرط دائم لتعطيل الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق.

ولا يمكن فصل ذلك عن الموقف الأميركي، الذي لا يمارس ضغطاً حقيقياً لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاق وقرار مجلس الأمن، بقدر ما يتعامل مع الشروط الإسرائيلية المستجدة باعتبارها جزءاً من العملية التفاوضية. وبهذا تتحول الالتزامات القانونية إلى مساحة مساومة سياسية، بدل أن تكون أساساً ملزمًا لأي تسوية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل حُلّت اللجنة أم لا؟ بل: من الذي يعرقل تنفيذ الاتفاق أصلاً؟ ومن الذي يحوّل الحرب إلى أداة تفاوض مستمرة؟ ومن المستفيد من إبقاء المرحلة الثانية معلقة، بينما تستمر الحرب بأشكال مختلفة ويستمر معها القتل والتجويع وفرض الوقائع؟

إن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى مزيد من التسريبات التي ترفع سقف التوقعات قبل كل جولة تفاوض، بقدر ما يحتاجون إلى إلزام سياسي وقانوني حقيقي يضع حداً لسياسة إعادة تفسير الاتفاق وإفراغه من مضمونه. فالقضية ليست في اسم اللجنة، بل في استمرار تحويل اتفاق وقف إطلاق النار إلى عملية تفاوض بلا نهاية، تُدار فيها الحرب والتسوية في الوقت نفسه.

وفي ضوء ذلك ما لم تُحسم الإرادة السياسية لوقف الحرب فعلياً والالتزام بالاتفاق كما هو، سيبقى كل حديث عن ترتيبات إدارية أو تغييرات شكلية مجرد تفاصيل في مشهد أكبر: حرب مستمرة بأدوات مختلفة، واتفاق معلّق يُعاد تشكيله وفق ميزان القوة، لا وفق نصه الأصلي.