يظهر الرئيس الأميركي قدراً من «التخبط» السياسي فيما يخص سياسته الخارجية، التي تتميز بكونها «مستفزة» تتجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية، كما تبدو عاطفية جداً في أحد أشكالها، وذلك حين يتحدث عن علاقته ببعض الزعماء، أمثال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو حتى الرئيس الصيني شي جينبينغ، بل وحين يتحدث عن علاقته مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وذلك في ذروة الخلاف بينهما عشية توقيع وثيقة التفاهم بين أميركا وإيران، ما دفع الكثير من المتابعين إلى البحث عن السبب، للقول: إن هذه هي طبيعته إزاء خصومه وحلفائه على حد سواء. ولأننا لسنا هنا في وارد تعداد تلك المواقف، إن كان قبل سنوات حين واجه هيلاري كلينتون أولاً، ثم جو بايدن ثانياً، ثم كامالا هاريس ثالثاً في السباق إلى البيت الأبيض في ثلاث مناسبات سابقة، للإقرار بأنه - أي ترامب - رجل حاد الطبع، لذلك هو يدفع أثماناً لتفوهاته التي يلقي بها يميناً وشمالاً، وبشكل يقلل من «هيبته» كرئيس للولايات المتحدة، وإذا كانت هذه الطبيعية قد كانت مفيدة في الانتخابات الرئاسية السابقة للحزب الجمهوري وله شخصياً، فإنها قد لا تكون كذلك دائماً.
مع هذا، فلا بد من الإشارة إلى أن بعض التخبط، الذي يبدو عليه ترامب في مواجهة الملف الإيراني، له تفسيران، أحدهما تكتيكي، حيث يتلاعب بمفردات الحرب والتفاوض للضغط، وكأن الصراع مع إيران مزاد عقاري، يمكن أن يتأثر فضلاً عن أن يحسم من خلال «التهويش»، والتلاعب، أما التفسير الثاني، فإنه يعود إلى فقدان زمام المبادرة، والعجز بعد الفشل العسكري، فهو لمن يتذكر، استند إلى الحيلة في مواجهة إيران، حين شن الحرب خلال التفاوض، هذا أولاً، وثانياً، لم يهدد قبل شن حرب الأربعين يوماً، لكنه فعل هذا حين توقف عن الحرب، والتوقف عن الحرب، لم يكن لأنه جنح للسلم، ولا لأنه فجأة تعرض لضغط معارضة الحرب في بلاده، بل كان السبب الرئيس سبباً ميدانياً، عسكرياً أولاً واقتصادياً ثانياً، أما العسكري فيعود إلى صمود إيران وعدم سقوطها جراء الضربة الأولى المفاجئة والقاسية، ومن ثم الرد، وبعد ذلك الدخول في حرب طويلة الأمد، لا يمكن لأميركا ولا حتى إسرائيل أن تجاري إيران وحلفاءها فيها، ثم ما نجم عن حرب الأربعين يوماً من نفاد نصف المخزون الأميركي الإستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية خاصة، أما السبب الاقتصادي فكان تحكم إيران بمضيق هرمز، الذي اشعل أسعار النفط والغاز، ووصل بها إلى الضعف تقريباً.
وأحد أهم مظاهر التخبط لدى ترامب تصريحاته التي تدل عليه كما لو كان يعيش في عالم آخر، فهو أصر على الادعاء أن إيران تتوسل من أجل الوصول لاتفاق وقف الحرب، وهذا طبعاً لا يقنع أحداً، فأن تتوسّله إيران من أجل الاتفاق وهي تعرف مطالبه، يعني أنها تركض وراءه ليوافق على استسلامها، أما آخر محاولة «دونكيشوتية»، فكانت اعتقاده أنه يمكن بشيء من «الدهاء» التلاعب بإيران، بحيث يبيعها ورقة وقّع عليها إلكترونياً، مقابل أن ترفع يدها عن هرمز، هكذا قرأ بشكل مغلوط، بل وموهوم تماماً، وثيقة التفاهم، ولهذا اختلف مع نتنياهو، سواء كان ذلك الاختلاف حقيقياً، أو مجرد مشهد مسرحي بين الرجلَين، نقول هذا لأن بنود وثيقة التفاهم الأربعة عشر واضحة ومنشورة بعد التوقيع، وهي تؤكد أن الذي توسل من أجل الاتفاق هو ترامب، وليس إيران، هذا أولاً، وثانياً، أن الوثيقة كانت انتصاراً لإيران وهزيمة أميركية واضحة، لأنها أبقت زمام المبادرة بيد إيران واقتربت من مطالبها وتحقيق مصالحها، بينما انحصر كل ما صار يحلم به ترامب في أمرين لا ثالث لهما: فتح مضيق هرمز أولاً، والعودة لاتفاق قريب من اتفاق أوباما فيما يخص النووي ثانياً.
أشرنا في مقالنا السابق، قبل ثلاثة أيام، إلى أن إيران تعلمت الدرس جيداً من الأميركيين، وقد لدغت منهم مرات عدة، لذلك فهي «لم تندلق»، ولم تكن واهمة فيما ستحدثه وثيقة التفاهم، لذلك واصلت الاستعداد العسكري لاحتمال عودة الحرب، مع إدراكها بوضع عدوها الصعب من ناحية الذخائر، بل لم تكن أقل دهاء، وهي تفرض صراعاً طويل الأمد على أميركا، ما يعزز من قوة الحليف الكوني، أي الصين، ويقرب لحظة نزول أميركا عن عرش النظام العالمي رسمياً، المهم أننا أشرنا في مقالنا إلى أن نصف مدة الستين يوماً ها هي تنقضي بعد تشييع المرشد الراحل علي خامنئي، ولم يبدأ بعد التفاوض الشاق حول البرنامج النووي، لذلك حاول ترامب أن يطوي نصوص وثيقة التفاهم، وأطلق مدير عام الوكالة الدولية لمطالبة إيران بالسماح للمفتشين الدوليين بالوصول إلى اليورانيوم عالي التخصيب، وإلى المواقع التي جرى قصفها خلال الحرب.
أما الاختبار الأهم فقد كان في «هرمز»، فهو البند الأول في وثيقة التفاهم، ورغم أن النص واضح ويقول بإدارة إيران لحركة السفن دون رسوم خلال الستين يوماً، ما يعني أنه ليس شرطاً أن يكون كذلك بعد تلك المدة، إلا أن التلاعب كان ميدانياً، فقد روّج الأميركيون أن الوثيقة تعني فتح المضيق تلقائياً كما كان الحال قبل الحرب، وكان ترامب يهدف من وراء مجرد إعلان وثيقة التفاهم، إلى تهدئة أسعار الطاقة، لكن بقي عض الأصابع، بعد أن اتضح بعد ثلاثة أسابيع أن إيران صارت حذرة كما لم تكن من قبل، بين الوجود العسكري الميداني للطرفين من ناحية، ومن ناحية أخرى، بالربط بين «تحرير» أموال إيران المحتجزة منذ عقود وتحصيل الرسوم من هرمز، حيث أن إيران وجدت في هرمز المكسب الرئيس الذي خرجت به من الحرب، ولأنها تواجه مأزقاً اقتصادياً، فليس أمامها إلا أن تحرر أموالها المحتجزة أو أن تقوم بتحصيل الرسوم البحرية.
بعد عشرين يوماً فقط على توقيع ترامب، وكان في باريس، يشارك في قمة السبع الكبار، ها هو يعلن عن التنصل عن توقيعه قبل أن يجف حبر القلم الذي وقّع به الاتفاق، لأنه تأكد أن وظيفة وثيقة إسلام أباد لم تنجح في تأدية الغرض الذي صممت من أجله، وليس هو السلام أو وقف الحرب، بل كان خديعة إيران، وبيعها الوهم، وهم وقف الحرب وفك الحصار البحري وإلغاء العقوبات، بل وإشاعة الإعداد لجمع 300 مليار دولار لإعمار ما دمرته الحرب الأميركية - الإسرائيلية في إيران، وهذه عملياً ما هي إلا حلقة أخرى في سلسلة عدم احترام أميركا لما تعقده من اتفاقيات ومعاهدات أو تفاهمات، وقد سبق لأميركا مع إيران بالتحديد أن تنصلت من أكثر من اتفاق، لذلك لم يكن هناك وهم خاصة عند الإيرانيين بأن وثيقة التفاهم ستمضي قدماً، لتكون مفتتحاً لاتفاق سلام بين الدولتين.
وترامب نفسه، سبق له، ليس فقط أن خدع الإيرانيين بشن الحرب عليهم وهو يفاوضهم، بل سبق له أن تنصل من الاتفاق الدولي مع إيران، نقصد اتفاق 2015، الذي لم يكن أميركياً - إيرانياً فقط، بل كان يجمع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن: روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا وأميركا، إضافة إلى ألمانيا، وكان يتوجب على الأعضاء الآخرين أن يلتزموا بالاتفاق حين تنصل منه ترامب باسم أميركا، ولم يكن ترامب الوحيد ولا أول من يتنصل من اتفاق مع إيران، فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، أي منذ لحظة الافتراق السياسي بين البلدين، شهدت العلاقة بينهما توترات متتابعة، تم خلالها عقد اتفاقيات بينهما سرعان ما أظهرت أميركا عدم الالتزام بها، خاصة بعد أن تحقق ما كانت تسعى إليه من الحصول بالحيلة والخداع عما تعجز عن الحصول عليه بالقوة من إيران.
وهكذا هو الحال دائماً بين القوي والشجاع بعد النزال، وبعد أن يفشل القوي في الحصول على ما يريد بالقوة يلجأ إلى الحيلة، ولعل أبرز تلك المحطات كانت عام 1981، حين عقدت الدولتان ما عرف باتفاق الجزائر في 19 كانون الثاني 1981، وكانت الصفقة عبارة عن تحرير 52 رهينة أميركية كانوا محتجزين في سفارة بلادهم في طهران منذ 444 يوماً، مقابل تحرير الأرصدة الإيرانية المجمدة، وقد أفرجت إيران عن الرهائن في اليوم التالي، ليلة تنصيب رونالد ريغان رئيساً لأميركا، فيما بقيت أموالها محجوزة حتى اليوم، وفي عام 2023، في عهد جو بايدن، توصل البلدان إلى صفقة الإفراج عن 5 أميركيين محتجزين في إيران مقابل تحرير 6 مليارات دولار، كانت في كوريا الجنوبية، ويوم التنفيذ أفرج عن الأميركيين، فيما نقلت الأموال من كوريا إلى سويسرا، ثم إلى قطر، وما زالت في قطر حتى يومنا هذا.