تقرير: علي أبو عرمانة - انتقل المشهد السياسي الفلسطيني والإقليمي إلى مرحلة الصدام العلني المباشر، إثر المواجهة الدبلوماسية المحتدمة بين القائد الوطني محمد دحلان، رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو؛ حيث جاءت تصريحات القائد دحلان الحازمة رداً مباشراً على إعلان نتنياهو الصريح رفض وثيقة "مجلس السلام" المكونة من 15 بنداً لإنهاء الحرب في قطاع غزة.
ولم يعد هذا الصراع مجرد تباين في المواقف، بل تحول إلى معركة كسر إرادات مفتوحة وعض أصابع، تتداخل فيها الحسابات الميدانية في القطاع مع الترتيبات الإقليمية لـ "اليوم التالي" للحرب.

اختراق تاريخي
لم تكن موافقة حركة حماس على "خطة البنود الـ15" الصادرة عن "مجلس السلام" وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لحراك دبلوماسي معقد قاده القائد محمد دحلان خلف الكواليس.
ووفق مصادر مطلعة على مسار المفاوضات تحدثت لـ"الكوفية"، استند دحلان في هذا الاختراق التاريخي إلى عدة ركائز استراتيجية فككت مخاوف الفصائل الفلسطينية، لعل أبرزها صياغة ضمانات "اليوم التالي"، إذ نجح القائد دحلان في إقناع قيادة حماس بأن التنازل عن المظاهر المسلحة الثقيلة لن يكون لصالح الاحتلال، بل سيتم عبر نقل السلاح والأنفاق تدريجياً لعهدة "لجنة وطنية تكنوقراطية فلسطينية خالصة"، مدعومة بقوة استقرار دولية، مما يضمن الحفاظ على السيادة الفلسطينية ويقطع الطريق على محاولات إسرائيل فرض وصاية أمنية مباشرة.
وأوضحت المصادر أن القائد دحلان وظّف علاقاته المباشرة والوثيقة مع مبعوث الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر وطاقم الإدارة الأمريكية لنقل تعهدات واضحة للفصائل، مفادها أن الانخراط في هذه الخطة هو السبيل الوحيد والضامن لانسحاب إسرائيلي مرحلي كامل من القطاع، والبدء الفوري في عملية إغاثة شاملة وإعادة الإعمار.
وقاد رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي تنسيقاً مكثفاً حظي بقبول دولي وإقليمي، هذا الحشد الإقليمي وفّر لحماس شبكة أمان سياسية شجعتها على إبداء المرونة والموافقة على الخطة، لإدراكها أن الموقف العربي والإسلامي أصبح موحداً خلف هذه الرؤية لإنهاء حرب الإبادة.
بهذا الحراك الممنهج، نجح القائد دحلان في صهر المواقف الفلسطينية في قالب واحد، وأثبت للعالم مرونة وجاهزية الشريك الفلسطيني لإنهاء الحرب، محولاً الضغط السياسي والدبلوماسي بالكامل إلى جبهة نتنياهو التي باتت تعاني ارتباكاً وعزلة غير مسبوقة.

طعنة نتنياهو
شكّل الإعلان الرسمي لنتنياهو برفض هذا الاتفاق "طعنة سياسية" وجهها مباشرة إلى جهود الوسطاء، ووضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مأزق حرج أمام المجتمع الدولي.
ومن خلال القراءة الاستراتيجية للموقف، يدرك القائد دحلان أن المرونة الفلسطينية نجحت في سحب كافة الذرائع والأكاذيب التي طالما تذرع بها اليمين الإسرائيلي، ونتيجة لذلك، وضع نتنياهو نفسه أمام عزلة سياسية متزايدة، وظهر بوضوح كعقبة أساسية وعارية أمام الأمن والاستقرار، بل وأمام حليفه الاستراتيجي في واشنطن.

تصعيد متعمد
وفي رصد استشرافي دقيق لأبعاد المشهد، يربط القائد محمد دحلان بشكل وثيق ومباشر بين تصريحات نتنياهو السياسية الرافضة، وبين تصاعد المجازر الميدانية البشعة وعمليات النسف الممنهجة التي ينفذها جيش الاحتلال في قطاع غزة.
وبحسب مختصين في الشؤون الإسرائيلية، فإن هذا الترابط العضوي يعزز فرضية أن حكومة اليمين المتطرف تستخدم التصعيد العسكري كـ"تكتيك تفجيري" متعمد ومدروس، بهدف إحداث صدمة ميدانية تقطع الطريق أمام أوسع فرصة لتسوية تاريخية صاغتها الأطراف الإقليمية والدولية لوقف شلال الدم.
وفي هذا السياق، يؤكد المختص في الشأن الإسرائيلي هاني عواد، في قراءة خاصة لقناة الكوفية، أن رئيس حكومة الاحتلال يمارس عملية تملص ممنهجة من تنفيذ خارطة الطريق، مستخدماً عامل الوقت لترميم شعبيته المتراجعة، والهروب نحو "المرحلة ب" استجابة مباشرة لابتزاز أقطاب اليمين المتطرف (سموتريتش وبن غفير) اللذين يلوحان بتفكيك الائتلاف الحكومي.
وبين عواد، أن نتنياهو يسعى لإدارة الأزمة لا حلها لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد يخدم مشروعه طويل الأمد، مشيرا إلى أن لجوء الاحتلال للتصعيد الميداني بالتزامن مع التقدم الدبلوماسي يعكس رغبة نتنياهو في فرض واقع عسكري جديد يجهض بنود وثيقة "مجلس السلام"، لاسيما تلك المتعلقة بالانسحاب الفوري وفتح الممرات الإنسانية، مفضلاً استمرار حرب الإبادة لتأمين مستقبله السياسي الشخصي.

معركة "اليوم التالي"
يعكس هذا الصدام المحتدم في كواليسه صراعاً حتمياً وجوهرياً حول هوية وملامح الجهة التي ستتولى إدارة قطاع غزة في مرحلة "اليوم التالي" لإنهاء الحرب، حيث تتصادم في هذا المضمار رؤيتان متناقضتان تماماً لمستقبل القضية الفلسطينية.
وتقوم استراتيجية رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على الرفض المطلق والقاطع لإعادة بناء أو إيجاد أي كيانية فلسطينية موحدة تجمع جغرافياً وسياسياً بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، إذ يسعى جاداً من وراء هذا التعنت إلى فرض حالة من الفوضى الأمنية المستدامة وتفتيت القطاع، كخيار أساسي يضمن له الحفاظ على ائتلافه اليميني المتطرف، وتأمين بقائه السياسي للهروب من استحقاقات المحاسبة.
في المقابل، تتحرك جهود رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي القائد محمد دحلان في اتجاه وطني معاكس تماماً يهدف إلى قطع الطريق على مخططات التصفية الإسرائيلية.
وترتكز رؤية دحلان على بناء ومد جسور متينة وثابتة من التفاهمات مع كافة الفصائل والقوى الفلسطينية دون استثناء، مستنداً إلى دعم وإسناد من عمق عربي ودولي وثيق.
وتسعى هذه المقاربة السياسية المرنة إلى صياغة مظلة وطنية جامعة وقادرة على إنقاذ القطاع المنكوب، والبدء الفوري في عمليات الإغاثة الشاملة وإعادة الإعمار، إلى جانب ترتيب البيت الداخلي وإعادة بناء مؤسساته على أسس وطنية تشاركية صلبة تحمي الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

صراع الإرادات المفتوح
إن المواجهة السياسية بين القائد محمد دحلان وبنيامين نتنياهو قد دخلت طوراً حاسماً لا يمكن التراجع عنه؛ حيث يواصل رئيس حكومة الاحتلال الرهان على عامل الوقت ومواصلة سفك الدماء كمحاولة يائسة لتغيير الشروط والتهرب من الاستحقاقات الملزمة، في حين يستند دحلان في حراكه الدبلوماسي إلى حاضنة شعبية فلسطينية صامدة في الميدان، وشبكة تحالفات إقليمية ودولية باتت تعي يقيناً الجهة الحقيقية المعطلة للاستقرار.
إن الصراع الراهن قد تجاوز تماماً صيغ التفاوض والمناورات التقليدية، ليتحول إلى معركة لفرض الإرادات مشرعة على كل الاحتمالات، والتي ستحدد نتائجها ملامح ومستقبل القضية الفلسطينية وبنية المنطقة برمتها.