في لحظة فلسطينية شديدة الحساسية تتقاطع فيها تحديات الاحتلال الإسرائيلي مع التطورات المتسارعة في الضفة الغربية وقطاع غزة والأزمة السياسية الداخلية، تبرز مجددًا مسألة توحيد حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» باعتبارها واحدة من القضايا التي لا يمكن تأجيلها، وهو ما أعاد طرحه نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح الاخ/ سمير المشهراوي، عقب لقاء جمع التيار بوفد من حركة فتح، وصفه بأنه جرى في أجواء إيجابية، مؤكدًا أن الهدف الأساسي من الاجتماع كان البحث في سبل توحيد الحركة وإنهاء حالة الانقسام الداخلي على قاعدة سياسية وتنظيمية واضحة.
وقال المشهراوي إن اللقاء لم يكن مجرد مناسبة لتبادل وجهات النظر أو إطلاق عبارات عامة حول الوحدة، وإنما جاء في سياق البحث عن خطوات يمكن أن تقود إلى إعادة ترتيب البيت الفتحاوي، مشددًا على أن توحيد الحركة لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما يحتاج إلى قرارات وإجراءات واضحة وترجمة عملية لما يتم الاتفاق عليه، وهو موقف يعكس إدراكًا متزايدًا لدى أطراف فلسطينية بأن استمرار الانقسام داخل القوى الرئيسية يضعف القدرة على مواجهة التحديات السياسية والميدانية التي تعصف بالقضية الفلسطينية.
وأوضح المشهراوي أن وفد تيار الإصلاح الديمقراطي طرح خلال اللقاء مجموعة من النقاط التي يرى أنها يمكن أن تشكل مدخلًا حقيقيًا لتوحيد حركة فتح، مشيرًا إلى أن الكرة أصبحت الآن في ملعب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأن وفد حركة فتح سيقوم بعرض النقاط التي جرى طرحها خلال الاجتماع على الرئيس.
وبحسب المشهراوي، فإن المسألة الأساسية التي جرى التأكيد عليها هي أن وجود رغبة حقيقية في إعادة توحيد حركة فتح ينبغي أن ينعكس في صورة قرارات سياسية وتنظيمية واضحة، لأن بقاء الحديث عن المصالحة والوحدة داخل الإطار النظري لن يؤدي إلى تغيير الواقع القائم. ويأتي هذا الطرح في وقت تعاني فيه حركة فتح، التي شكلت على مدى عقود العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، من خلافات داخلية وتباينات سياسية وتنظيمية انعكست على علاقتها بمختلف مكونات الساحة الفلسطينية، وكان من أبرز مظاهرها خروج تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة النائب السابق في المجلس التشريعي محمد دحلان من دائرة القيادة الرسمية للحركة، وما تبع ذلك من قطيعة سياسية وتنظيمية.
ومن هنا فإن أي حوار بين الطرفين يكتسب أهمية خاصة، ليس فقط على مستوى العلاقات الداخلية لحركة فتح، وإنما على مستوى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني برمته، خصوصًا في ظل الحاجة المتزايدة إلى بناء قيادة فلسطينية أكثر قدرة على مواجهة الاحتلال والتعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
المشهراوي أكد أن اللقاء مع وفد حركة فتح كان إيجابيًا، وأن الأجواء التي سادت الاجتماع كانت مشجعة، لكنه في الوقت ذاته وضع حدًا للتوقعات المبالغ فيها، مشيرًا إلى أنه لا توجد حتى الآن خطوات عملية تم تنفيذها على الأرض، ما يعني أن نجاح اللقاء سيظل مرتبطًا بما سيأتي بعده من إجراءات وقرارات. وهذه النقطة تبدو جوهرية، إذ إن التجربة الفلسطينية خلال السنوات الماضية أظهرت أن الاجتماعات والحوارات يمكن أن تحقق تقدمًا في مستوى الخطاب السياسي، لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما يتعلق الأمر بتحويل التفاهمات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.
فالوحدة التنظيمية لا تتحقق بمجرد عقد لقاء، وإنما تحتاج إلى معالجة الملفات العالقة، وفتح قنوات الاتصال، وإعادة بناء الثقة، وإعادة النظر في القرارات التي ساهمت في تكريس الانقسام، وإيجاد إطار سياسي يسمح بمشاركة مختلف التيارات والشخصيات داخل الحركة دون إقصاء أو تهميش.
وفي هذا السياق، فإن حديث المشهراوي عن ضرورة أن تترجم الجدية في توحيد حركة فتح إلى قرارات من الرئيس محمود عباس يحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن مسؤولية الانتقال من الحوار إلى الفعل تقع بدرجة كبيرة على القيادة الرسمية للحركة، وأن أي مبادرة للمصالحة تحتاج إلى غطاء سياسي قوي حتى تتحول إلى مسار دائم وليس مجرد لقاء عابر. كما أن طرح نقاط محددة على طاولة الحوار يعني أن تيار الإصلاح، وفق ما يقوله المشهراوي، لا يكتفي بالمطالبة العامة بالوحدة، بل يسعى إلى وضع مجموعة من الأفكار والإجراءات أمام القيادة الرسمية للحركة لدراستها واتخاذ موقف بشأنها.
ويكتسب هذا المسار أهمية أكبر إذا وضع في سياق المشهد الفلسطيني العام، حيث لا تقتصر الأزمة على الخلاف داخل حركة فتح، وإنما تتداخل مع الانقسام الفلسطيني الأوسع بين القوى والفصائل، وفي مقدمتها حركة فتح وحركة حماس، إضافة إلى التحديات التي تواجه منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات السلطة الوطنية والنظام السياسي الفلسطيني.
وفي هذا الإطار، قال المشهراوي إن الاجتماع ناقش أيضًا الوضع في الضفة الغربية، مؤكدًا أن معالجة هذا الملف تحتاج إلى حوار لا يستثني أحدًا. وهذه العبارة تحمل دلالة سياسية لافتة، خصوصًا في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية والإجراءات التي تستهدف الفلسطينيين في الضفة الغربية، الأمر الذي يفرض، بحسب الرؤية التي عبّر عنها المشهراوي، ضرورة توحيد الموقف الفلسطيني الداخلي بدل ترك الساحة مفتوحة أمام المزيد من الانقسام والتجاذب.
فالتحديات التي تواجه الفلسطينيين في الضفة الغربية لا تتوقف عند حدود الاعتداءات اليومية، وإنما تمتد إلى الاستيطان والتهجير وهدم المنازل ومصادرة الأراضي وتقييد الحركة، وهي ملفات تحتاج إلى استراتيجية وطنية موحدة قادرة على التعامل معها سياسيًا وشعبيًا ودبلوماسيًا.
ومن هنا فإن الدعوة إلى حوار شامل لا يستثني أحدًا تعكس الحاجة إلى تجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة باتجاه رؤية وطنية أوسع، خصوصًا أن استمرار الانقسام يمنح الاحتلال مساحة أكبر للتحرك وفرض وقائع جديدة على الأرض. وفي واحدة من أكثر النقاط وضوحًا في حديثه، قال المشهراوي إن الفلسطينيين بحاجة إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بشكل قوي يستوعب الجميع، وهي دعوة تفتح الباب أمام النقاش حول مستقبل المؤسسة السياسية التي يُنظر إليها تاريخيًا باعتبارها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني ومختلف قواه وفصائله. فإعادة بناء منظمة التحرير لا تعني فقط إعادة توزيع المقاعد أو إجراء تعديلات شكلية في هياكلها، وإنما تقتضي إعادة الاعتبار إلى دورها التمثيلي والسياسي، وتوسيع قاعدة المشاركة فيها، وإدماج القوى الفلسطينية المختلفة ضمن صيغة وطنية قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية بصورة جماعية.
وتبرز أهمية هذه الدعوة في ظل تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية الفلسطينية، وتزايد الحاجة إلى صيغة قيادية موحدة تستطيع تمثيل الفلسطينيين في المحافل الدولية وفي مواجهة الاحتلال. كما أن إعادة بناء المنظمة يمكن أن تشكل، في حال توفر التوافق السياسي، مدخلًا لمعالجة الانقسام الفلسطيني الأوسع، لأنها تتيح وضع مختلف القوى أمام مسؤولياتها الوطنية ضمن إطار سياسي جامع.
وفي هذا السياق، رفض المشهراوي أن يكون الاحتلال الإسرائيلي طرفًا يحدد للفلسطينيين كيفية ترتيب بيتهم الداخلي، مؤكدًا أنه لا يمكن للاحتلال أن يملي عليهم تفاصيل ترتيب بيتهم الداخلي.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل محاولات إسرائيل فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سواء من خلال الاستيطان أو العمليات العسكرية أو التحكم في المعابر والمناطق أو طرح تصورات تتعلق بمستقبل الحكم الفلسطيني.
فالخلافات الفلسطينية الداخلية، مهما كانت عميقة، يجب ألا تتحول إلى أداة تسمح للاحتلال بتحديد طبيعة النظام السياسي الفلسطيني أو شكل العلاقات بين الفصائل والقوى الوطنية. ومن هذه الزاوية، تبدو الوحدة الداخلية ليست مجرد خيار تنظيمي، وإنما جزءًا من معركة سياسية أوسع تتعلق بالقدرة الفلسطينية على الحفاظ على القرار الوطني المستقل.
ومع ذلك، فإن الطريق نحو توحيد حركة فتح لن يكون سهلًا، إذ توجد ملفات خلافية تراكمت على مدى سنوات، وهناك مصالح وتوازنات وشخصيات ومراكز نفوذ يصعب تجاوزها بقرار واحد. كما أن الثقة التي تضررت نتيجة سنوات من الصراع الداخلي تحتاج إلى وقت وإجراءات ملموسة لإعادة بنائها.
ولهذا فإن نجاح أي حوار يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ووضوحًا في الأهداف، واستعدادًا من جميع الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، بعيدًا عن منطق المنتصر والمهزوم. وفي المقابل، فإن الظروف الفلسطينية الراهنة قد تشكل فرصة لإعادة فتح هذا الملف، لأن حجم التحديات التي تواجه الفلسطينيين يجعل استمرار الانقسام أكثر كلفة من أي وقت مضى.
فالمشهد الميداني في الضفة الغربية، والأوضاع الكارثية في غزة، والضغوط السياسية الدولية، والتحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، كلها عوامل تفرض إعادة النظر في شكل العلاقة بين القوى الفلسطينية. ومن هنا يمكن فهم رسالة المشهراوي عندما قال إنه يتمنى أن يتم التقاط الفرصة وألا تضيع، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها الفلسطينيون.
فالمطلوب، وفق هذا الطرح، عدم التعامل مع اللقاء الأخير باعتباره حدثًا بروتوكوليًا، وإنما باعتباره فرصة يمكن البناء عليها للوصول إلى خطوات عملية. ويبقى الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة: هل ستتحول النقاط التي طرحها تيار الإصلاح الديمقراطي إلى قرارات؟ وهل سيحمل وفد حركة فتح هذه المقترحات إلى الرئيس محمود عباس بصورة جدية؟ وهل ستتبع ذلك خطوات تفتح الباب أمام مصالحة فتحاوية حقيقية؟ ثم، وهو السؤال الأوسع، هل يمكن أن تمتد هذه الروح إلى إعادة بناء الإطار الوطني الفلسطيني بأكمله، بما يسمح بمشاركة مختلف القوى والفصائل ضمن منظمة تحرير أكثر شمولًا وقوة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لن تكون بالكلمات، وإنما بما سيحدث على الأرض. فاللقاءات السياسية تكتسب قيمتها من نتائجها، والحوارات تصبح ذات معنى عندما تنتج قرارات، والوعود بالوحدة لا تتحول إلى واقع إلا عندما تُترجم إلى إجراءات.
وفي لحظة تاريخية تواجه فيها القضية الفلسطينية واحدة من أصعب مراحلها، تبدو الحاجة ملحة إلى استعادة وحدة القرار الفلسطيني، وإعادة بناء الثقة بين مكونات الحركة الوطنية، وإطلاق حوار شامل لا يستثني أحدًا، بعيدًا عن الحسابات الشخصية والتنظيمية. وربما تكون الرسالة الأهم التي يحملها لقاء وفد حركة فتح مع تيار الإصلاح الديمقراطي أن الباب لم يُغلق بالكامل، وأن الخلافات مهما تعمقت يمكن أن تجد طريقها إلى المعالجة عندما تتوفر الإرادة السياسية.
لكن الفرصة، كما قال المشهراوي، لا ينبغي أن تضيع، لأن استمرار الانقسام في ظل ما يجري في الأراضي الفلسطينية يعني منح الاحتلال مزيدًا من الوقت والمساحة لفرض وقائع جديدة. ولذلك فإن توحيد حركة فتح قد لا يكون نهاية الطريق، لكنه يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو استعادة التماسك الداخلي الفلسطيني، وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس أكثر تمثيلًا وشمولًا، وصولًا إلى صياغة استراتيجية وطنية موحدة قادرة على مواجهة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
وفي النهاية، فإن الفلسطينيين لا يحتاجون اليوم إلى المزيد من الشعارات حول الوحدة بقدر حاجتهم إلى قرارات شجاعة تضع حدًا للقطيعة وتفتح الطريق أمام مصالحة حقيقية، لأن اللحظة الراهنة لا تسمح بإضاعة المزيد من الفرص، ولأن ترتيب البيت الفلسطيني يجب أن يكون قرارًا فلسطينيًا مستقلًا، جامعًا، يستند إلى المصلحة الوطنية العليا، ولا يترك للاحتلال حق تحديد شكل المستقبل الفلسطيني أو شروطه.