المطروح هو التهجير وليس الدولة الفلسطينية
نشر بتاريخ: 2026/08/31 (آخر تحديث: 2026/08/31 الساعة: 20:04)

• إن موقف غادي أيزنكوت بشأن الدولة الفلسطينية غير ذي صلة؛ فالمطروح اليوم على كفة الميزان ليس "الحل السياسي"، بل وجود الشعب الفلسطيني نفسه بين نهر الأردن والبحر؛ والقوى اليهودية التي تسعى لـ"محوِه" لا حدود لها، ولا رادع، وأنصارها كثيرون، إلى درجةٍ لا يمكن معها الاعتماد فقط على صمود الشعب الفلسطيني وقدرته على التحمل، وهو الشعب الذي خبِر، عبر تاريخه، خطط التهجير التي نفّذتها إسرائيل ضده.

• العالم يقف متفرجاً؛ اليسار صغير وضعيف ومبحوح من كثرة التحذيرات؛ والمعارضة المناهضة لنتنياهو تتراوح بين التقليل من حجم الخطر، وعدم الاكتراث، ودعم التهجير؛ أمّا الإدانات المتفرقة، وخصوصاً عندما يغرد السفير الأميركي بكلمات ما - فهي أشبه بمحاولة تغطية المطر بمصفاة. فالميليشيات اليهودية تهاجم طوال الوقت، وفي كل مكان، وليس فقط في قصرة.

• بات النقاش بشأن دولة واحدة، أو دولتين، أو اتحاد فدرالي، نقاشاً نظرياً أكثر من أيّ وقت مضى. ولكي يكون هناك حلّ متفَّق عليه، يجب الاعتراف بالمشكلة والاتفاق على ماهيتها. لقد جرى تضليل عدد كبير جداً من اليهود في إسرائيل ليعتقدوا أن المشكلة هي أن شعباً فلسطينياً يعيش في هذا البلد، وله جذور وتواصُل تاريخي واقتصادي، ورصيد ثقافي وأملاك مادية، وتراث زراعي غني، وحب للوطن؛ "المحو" هو حل الكابوس الذي يُكتب يومياً؛ فالقوانين في الكنيست، وتصريحات السياسيين، والأوامر العسكرية، والكتب المدرسية، وأجهزة الاستيطان، والقوى المقدسة للعقارات في غزة والضفة الغربية والنقب، أمور كلها، مجتمعةً ومنفردةً، تدفع بهذا "الحل" باجتهاد، ومن دون خوف من الأجانب.

• تهدف السياسة الإسرائيلية إلى جعل الحياة، بالنسبة إلى الفلسطينيين، أينما كانوا، كريهة لدرجة أنها تجعل الهجرة تعبّر عن رغبة حرة. داخل إسرائيل نفسها، تمنح السلطات منظمات الجريمة العربية حرية التسلح وقتل المواطنين الفلسطينيين في منازلهم؛ وفي الضفة الغربية، تمنح السلطات الإسرائيلية نفسها جماعات "كتائب الرب" حرية التسلح والقتل والطرد، بينما يواصل الجيش الرسمي مداهماته ليلاً ونهاراً؛ وفي غزة المدمرة والعطشى، تعمل الحكومة والجيش على رعاية ميليشيات مسلحة من المتعاونين والمجرمين، بينما يواصل طيارونا إطلاق صواريخ الانتقام والثأر التي تحصد حياة مزيدٍ من الأطفال؛ كلّ هذه المظاهر العضلية المرتبطة بالتستوستيرون متصلة ببعضها. وفي موازاة ذلك، تدمر إسرائيل إمكانات الفلسطينيين لكسب رزقهم، أو تقيّدها إلى الحد الأدنى؛ في غزة اكتملت المهمة؛ مجتمع من الأحياء - الأموات يعتمد على التبرعات، يضم مليونَي شخص ونحو 74 ألف قبر حديث، محشورين في نحو 150 كيلومتراً مربعاً من الأرض المحروقة، حيث تبخرت عائلات وذكريات ومواهب ومهن ومدخرات. ويتضاءل الإبداع والقدرة على التدبّر والمساعدة المتبادلة أمام حجم الدمار والمنع الإسرائيلي لإعادة الإعمار والتعافي.

• أمّا في الضفة الغربية، فيشتد حبل الخنق المالي الذي تفرضه وزارة المالية حول رقبة نحو ثلاثة ملايين إنسان والسلطة الفلسطينية. وينضم سلب الإيرادات بصورة متكررة إلى حملات الدمار التي ينفّذها الجيش في المدن والمخيمات، وإلى الأساليب الأُخرى التي تمنع الفلسطينيين من زراعة أراضيهم وتطويرها: الحواجز، والحظر البيروقراطي، والأسوار، والرعاة اليهود.

• وكان في إسرائيل نفسها ولا يزال "تهويد الجليل والنقب" تعبيراً مشفراً عن سلب الأراضي والموارد من الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، وظهرت في السياسة الرسمية داخل الخط الأخضر التفرقة في تخصيص الأراضي والإعانات وفرص العمل، ومنع البناء والهدم، منذ البداية وحتى اليوم.

• لنكرّر القول "إن وجود الشعب الفلسطيني نفسه بين البحر والنهر عرضة للخطر اليوم؛ وهناك عدد كبير جداً من العوامل الفاعلة التي تنتج هذا الخطر: القوة وقدرات إسرائيل العسكرية؛ والخدمة العسكرية في جميع الظروف، وبقيادة أيّ حكومة؛ والطاعة باعتبارها قيمة؛ والسلاح والهجمات العسكرية كخيار افتراضي؛ وتطبيع ظاهرة اضطراب ما بعد الصدمة والانتحار بين الجنود؛ وإغراءات العمل العسكري والفرص المهنية التي يفتحها؛ وإغراءات امتلاك ﭭيلّا في مستوطنة في الجليل، أو في ضاحية استيطانية في الضفة الغربية، في مقابل سعر شقة إسكان؛ وأكاذيب الدعاية الرسمية وغير الرسمية؛ واللامبالاة تجاه الجحيم على الأرض الذي خلقته إسرائيل في قطاع غزة؛ وإنكار ستين عاماً من الاحتلال والسيطرة القسرية؛ والرد البافلوفي: "لكن 7 أكتوبر"؛ والتكامل بين الجيش والحكومة والحاخامات والميليشيات المتديّنة؛ واللامبالاة إزاء تدمير لبنان واحتلال مزيد من الأراضي في سورية؛ وتطبيع خطاب التهجير والمنظومات القانونية والتعليمية الملوثة بالعنصرية العلمانية والدينية، وجيش حراس السجون الذين يعمدون إلى إساءة معاملة آلاف الأسرى الفلسطينيين، بأوامر، أو عن قصد.

• هذه العوامل مجتمعةً كلها، وما يشابهها، تخلق داخل المجتمع الإسرائيلي-اليهودي بنية مادية وأيديولوجية ونفسية لتنفيذ عملية تهجير جماعي أُخرى للفلسطينيين، وما يرافق ذلك دائماً: القتل الجماعي.

• إن أبطال الميليشيات في الضفة الغربية يعلنون أن التهجير هو هدفهم، وهم يدركون جيداً مدى استعداد قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي-اليهودي للمشاركة في تحقيق هذا الهدف، بصورة فاعلة، أو سلبية، وبشكل مباشر، أو غير مباشر؛ إن استفزازات هذه الميليشيات وجرائمها اليومية، التي تُرتكب علناً - والتي لم تكن لتصبح ممكنة من دون الدعم المؤسسي - تدفع باستمرار نحو نوع من ردة الفعل الفلسطينية الغاضبة والانتقامية التي يمكن استغلالها كعود ثقاب لإشعال حرب دينية جديدة.

• وتعتمد الميليشيات اليهودية والمنظمات اليمينية التي تغذيها على تعبئة واسعة - بما في ذلك رؤساء وناخبو وداعمو حزب "يوجد مستقبل" و"الديمقراطيين" - لخوض حرب يمكن أن نطلق عليها اسم: شعب واحد، جيش واحد، وبلد واحد خالٍ من العرب.