اليوم التالي: حرب على الهوية
نشر بتاريخ: 2026/09/09 (آخر تحديث: 2026/09/09 الساعة: 22:30)

• لدينا مشكلة مع جيل الشباب في أميركا، وهذا الأمر بات معروفاً؛ لقد كتبتُ أعمدة لا تُحصى، وأطلقتُ تصريحات كثيرة تتعلق بالموضوع، ويستمر في الكشف عنه مشروع الاستطلاع الشهري الذي تُجريه جامعة هارفارد، بالتعاون مع شركة هاريس. ومن الأمثلة التي يقدمها هذا المشروع أن الأميركيين، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 عاماً، يفضلون "حماس" على إسرائيل، وبشكل متكرر؛ وفي الواقع، حظيت "حماس" بأغلبية من التعاطف في معظم منشورات المشروع منذ بداية العام، مقارنةً بالديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وفي المرتين الوحيدتين اللتين لم يحدث فيهما ذلك، تقدمت إسرائيل بفارق ضئيل. وهذا في مواجهة منظمة "إرهابية".

• الخبر الجيد هو أن هذا الشعور لا يمثل بقية الفئات العمرية في الولايات المتحدة؛ أمّا الخبر الأقلّ إيجابيةً، فهو أن التركيز على الشباب يخفي مشكلة أعمق. لماذا؟ إليكم التوضيح: تظهر في الاستطلاع الأخير للمشروع نفسه مسألتان مثيرتان للاهتمام؛ الأولى تبحث في موقف الأميركيين من حق إسرائيل في أن تكون وطناً للشعب اليهودي، وبحسب ما هو متوقع، فبينما تؤيد أغلبية كبيرة من الجمهور هذا الحق، فإن الفئة العمرية "الإشكالية" (18-24 عاماً) منقسمة تقريباً بالتساوي (49%-51%)، حتى هنا، لا جديد؛ لكن يظهر في السؤال الثاني أمر مختلف؛ لقد سُئل جو من فرجينيا وسامانثا من تكساس: "هل من المناسب أن تكون إسرائيل دولة يهودية، أم أن تكون خالية من أيّ دين رسمي، أو هوية إثنية رسمية؟" وبخلاف الحالات السابقة، لا نرى هنا فجوة بين الأجيال، ففي معظم الفئات العمرية تقريباً، تقترب النتيجة من التعادل؛ رقمياً، يرى 46% أن "على إسرائيل أن تكون من دون دين رسمي، أو هوية إثنية." أي إن إسرائيل يمكن أن تكون وطناً لليهود، لكن لا يمكن أن تكون دولة يهودية.

• وبعبارةٍ أُخرى، هناك خلاف عابر للأجيال في أميركا بشأن يهودية الدولة. والبديل الذي توحي به هذه الإجابة هو دولة لجميع مواطنيها، حتى لو لم يفكر المستجيبون في الأمر بهذه الصيغة. لا شك في أن جزءاً من الأسباب تقني؛ صيغة الأسئلة، والمصطلحات المستخدمة، هذا كله ممكن، فضلاً عن أن كثيرين من الأميركيين لا يدركون أن اليهودية ليست مجرد دين، إنما هي قومية قبل كل شيء، وفي مكان مثل الولايات المتحدة، حيث يُعتبر الفصل بين الدين والدولة قيمة تكاد تكون مقدسة، ليس من المفاجئ أن يرى كثيرون أن إسرائيل لا ينبغي لها أن تكون دولة يهودية. هذه المواقف ليست معادية لنا بالضرورة، بل هي أيديولوجيا مدنية أميركية، لكن هنا تحديداً، تكمن إحدى نقاط الصهيونية الأساسية: أن تعود اليهودية إلى أداء دورها كقومية. وهذا لا يعني أن إسرائيل دولة دينية تحكمها الشريعة، لكنه يعني أنها بمثابة بوليصة تأمين لليهود. وحتى إذا كان الدافع وراء هذا الموقف بريئاً، فإن النتيجة هي أن نحو نصف الجمهور الأميركي لا يعترف بإحدى الركيزتين اللتين تشكلان هوية الدولة، ألا وهي يهوديتها. ومنذ اللحظة التي لا يعترف فيها الجمهور في أقوى دولة حليفة لك بنصف هويتك، يصبح أمامك تحدٍّ.

• إن العلاقة بالولايات المتحدة هي أصل استراتيجي وجودي، ربما يبدو هذا الكلام كأنه فضفاض أكثر من اللازم في موسم انتخابي، لكن تحديداً الآن، يجب التذكير به؛ فنحن لم نعُد في عالم فقدان الحزب الديمقراطي، أو مواجهة معارضة من "أجنحة متطرفة" داخل الحزب الجمهوري؛ ببساطة، كثيرون من الأميركيين لا يعرفون مَن نحن، وما نحن عليه، ولا يفهمون ما هي الصهيونية، أو اليهودية، أو إسرائيل. وتدخل في هذا الفراغ حملات التأثير والتضليل والمعلومات المضلّلة التي تدفع الرأي العام ضدنا، لأنه عندما لا تعود الحاجة إلى إسرائيل واضحة، يصبح من السهل التحريض عليها. إن الجهل هو أفضل أرضية للتلاعب، وما معنى ذلك؟ قبل أن نشرح لماذا نحن على حق، من المهم أن نشرح مَن نحن، وما لا يقلّ أهميةً عن محاربة الحملات الزائفة بشأن التجويع، أن نفهم أننا نخوض حرباً على هويتنا. لم يعُد الأمر مجرد إشارة تحذير؛ إنها مشكلة حقيقية.