شباب النزوح.. التكيّف مع الواقع ونشر أشرعة الأمل
نشر بتاريخ: 2026/09/15 (آخر تحديث: 2026/09/15 الساعة: 15:43)

كنا كشعب ونخب ثقافية وكوادر في الهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية، نؤمن بأن النزوح ليس انتقالًا عاديًا من مكان إلى آخر، بل اقتلاع مؤلم للإنسان من بيته وحيّه وذكرياته، وإلقاء به في واقع يفتقر إلى الخصوصية والاستقرار وأبسط مقومات الحياة الكريمة. وقد كان الشباب من أكثر الفئات تأثرًا بهذه المحنة؛ إذ تعطلت دراستهم، وضاقت أمامهم فرص العمل، وفقد بعضهم أفرادًا من أسرهم وأصدقاءهم ومنازلهم، وأصبح مستقبلهم محاصرًا بالخيمة والانتظار والقلق.

لا يجوز أن نجمّل هذا الواقع أو نقلل من قسوته، لكن لا ينبغي كذلك أن نستسلم له أو نسمح له بأن ينتزع منا ما تبقى: إرادتنا، ووعينا، وأخلاقنا، وقدرتنا على النهوض. فالتكيّف مع واقع النزوح لا يعني قبوله باعتباره قدرًا دائمًا، ولا التخلي عن حقنا في العودة وإعادة الإعمار، وإنما يعني أن نحمي أنفسنا وأسرنا خلال هذه المرحلة، وأن نحسن استثمار ما نملكه من وقت وطاقة وإمكانات محدودة، بما يعزز صمود النازحين ويثبت وجودهم على أرضهم.

إن أخطر ما قد يتسلل إلى نفوس الشباب هو الشعور بأن الحياة توقفت، وأنهم أصبحوا جيلًا بلا فرص أو مستقبل. لذلك، فإن أول النصائح التي ينبغي أن نقدمها لهم هي ألا يجعلوا الخيمة حدودًا لأحلامهم، وألا يسمحوا للفوضى المحيطة بهم بأن تتحول إلى فوضى داخلية. ومن المهم أن يضع كل شاب لنفسه برنامجًا يوميًا، ولو كان بسيطًا، يخصص فيه وقتًا للتعلم، ومساعدة الأسرة، والقراءة، والرياضة، والعبادة، والعمل التطوعي.

وإذا تعطلت المدارس والجامعات، فلا ينبغي أن تتعطل العقول. فالهاتف الذي نستخدمه لمتابعة الأخبار يمكن أن يصبح نافذة للتعلم، ويمكن للشباب تشكيل مجموعات صغيرة لمراجعة الدروس، وتعلم اللغات، واكتساب المهارات الرقمية والمهنية، والتدرب على الإسعافات الأولية والعمل المجتمعي. فما نتعلمه اليوم قد يصبح غدًا مفتاحًا لفرصة دراسية أو مهنية، وأساسًا للمشاركة في إعادة بناء ما دمرته الحرب.

ومن حق الشاب أن يحزن ويغضب ويشعر بالخوف، فهذه مشاعر طبيعية في ظل الفقد والقصف والنزوح. لكن عليه ألا يبقى وحيدًا داخل ألمه، وألا يخجل من الحديث مع شخص يثق به أو طلب الدعم النفسي والاجتماعي. فالقوة ليست في إخفاء المشاعر، وإنما في فهمها والتعامل معها قبل أن تتحول إلى عزلة أو عنف أو يأس.

كما تقع على الشباب مسؤولية حماية السلم الاجتماعي داخل المخيمات. فالازدحام ونقص الموارد وقسوة الحياة قد تؤدي إلى التوتر والخلاف، لكننا جميعًا ضحايا واقع واحد. لذلك فإن احترام الجيران، وخفض الأصوات، والمحافظة على النظافة، ومساعدة كبار السن، وحماية النساء والأطفال، والاحتكام إلى العقلاء عند النزاع، كلها صور من الصمود الأخلاقي والوطني.

ونحن نثمن كل الجهود التي تبذلها الجهات الإقليمية والدولية لمساندة النازحين، وشد أزرهم، وتثبيت وجودهم على أرضهم، ونؤكد أن هذه الجهود ينبغي أن تتكامل مع المبادرات الشعبية والوطنية، بما يفشل مخططات نتنياهو واليمين الصهيوني المتطرف الرامية إلى فرض التهجير القسري وتهديد وجود شعبنا على أرضه، التي تمثل مرتكزًا حياتيًا ووطنيًا ودينيًا لوجودنا السياسي والإنساني والقانوني.

ولا ينبغي للشباب أن ينتظروا الخلاص باعتباره قرارًا يأتي من الخارج، بل عليهم أن يكونوا جزءًا من صناعته. يستطيعون تشكيل فرق لتعليم الأطفال، وتنظيم المخيم، ومساعدة الأسر المحتاجة، وإطلاق أندية للقراءة، ومبادرات للدعم النفسي، ومجموعات لتعلم الحرف والمهارات. فالمبادرات الصغيرة، حين تتكامل، تتحول إلى قوة اجتماعية تحمي الناس وتعزز صمودهم.

إن الأمل الحقيقي ليس انتظارًا سلبيًا، بل استعداد وعمل. فإذا جاءت فرصة للدراسة، فهل نحن مستعدون لها؟ وإذا بدأت مرحلة الإعمار، فما المهارات التي نمتلكها؟ وإذا احتاج المجتمع إلى قيادات جديدة، فهل دربنا أنفسنا على المسؤولية والنزاهة والعمل الجماعي؟ إن انتظار الأفضل من دون استعداد قد يجعل الفرص تمر أمامنا، أما الاستعداد فيجعلنا قادرين على اغتنامها.

وعلينا أن نفتح أشرعة الأمل والتفاؤل، لا لأن الطريق سهل أو قصير، بل لأن التاريخ يعلمنا أن لكل احتلال نهاية، مهما بلغ جبروته واتسعت مظالمه. لقد سقطت إمبراطوريات ظنت أنها خالدة، وانتهت أنظمة استعمارية امتلكت السلاح والقوة، بينما بقيت الشعوب المتمسكة بحقوقها وهويتها. فالاحتلال قد يهدم البيوت، لكنه لا يستطيع أن يهزم شعبًا يحفظ ذاكرته، ويتمسك بحقه، ويعلم أبناءه، ويواصل الحياة.

يا شباب غزة، أنتم لستم جيل الخيام وإن اضطررتم إلى العيش فيها، ولستم جيل الضياع وإن تعطلت سنوات من حياتكم. أنتم جيل الصمود والشهادة على الحقيقة، وجيل إعادة البناء القادم. لا تسمحوا لليأس بأن يتحدث باسمكم، ولا للحرب بأن تختصر هويتكم في الألم.

تمسكوا بالله، وبالعلم، وبالأسرة، وبالأخلاق، وبوحدة مجتمعكم. انتظروا الأفضل، لكن اعملوا من أجله، واستعدوا له، وازرعوا مقدماته من الآن. فبعد كل ليل فجر، ومع كل عسر يسر، وما دام في شعبنا شباب يقرأون ويتعلمون ويتعاونون ويحلمون، فإن المستقبل سيبقى مفتوحًا على الحرية والعودة والحياة الكريمة.