فيلم «أضرار جانبية»: سقوط الرواية الإسرائيلية
نشر بتاريخ: 2026/09/16 (آخر تحديث: 2026/09/16 الساعة: 14:56)

تميّز مهرجان البندقية السينمائي لهذا العام بالتركيز أكثر على القضايا السياسية، وأكثر الأفلام التي حظيت باهتمام بالغ في هذه الدورة هو الفيلم الوثائقي الإسرائيلي الذي حمل اسم «نازا» أي «أضرار جانبية» والذي حصل على جائزة لجنة التحكيم في المهرجان؛ لأنه كان واقعياً بامتياز وعرض جزءاً من الحقيقة التي تحاول إسرائيل الرسمية إخفاءها باستمرار. فالفيلم الذي سمّي من باب السخرية «أضرار جانبية» يعرض شهادات لأربعة وعشرين جندياً وضابطاً خدموا في شعبة الاستخبارات الإسرائيلية خلال حرب غزة في السنوات الثلاث الماضية، في الوحدة المسماة «8200» التي تختص بجمع المعلومات الاستخبارية من خلال التنصت واختراق شبكات الاتصال الدولية، وفك الشيفرات والحرب السيبرانية ودعم العمليات الميدانية وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهي عملياً التي تقوم بالدور الأبرز في توجيه عمليات جيش الاحتلال في تحديد الأهداف بدقة ليقوم بقصفها واستهدافها بالطرق المتاحة.

الشهادات التي أدلى بها هؤلاء الجنود والضباط هي اعتراف بحقيقة ما جرى خلال الحرب، وتعكس تورط جيش الاحتلال والقيادة السياسية الإسرائيلية في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني. وهي تؤكد كل ما قيل وما اتهمت به إسرائيل من قبل المنظمات الحقوقية الإسرائيلية والدولية مثل «بتسيلم» و»أمنستي» و»هيومان رايتس ووتش» بشأن جرائم الاستهداف المقصود للمدنيين. وهذه الشهادات التي وردت في الفيلم تقول: إن جيش الاحتلال استخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحديد مواقع عدد كبير من قيادات «حماس» على مختلف المستويات واستهداف منازلهم ليلاً مع العلم المسبق أن هذا سيؤدي إلى مقتل عائلاتهم، وفي أحيان كثيرة مقتل العشرات والمئات من المدنيين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بموضوع الحرب. وعملياً ما حصل ليس أضراراً جانبية ولا أخطاء غير مقصودة، بل هو قتل جماعي متعمد وقتل موثق للمدنيين وقت توزيع المساعدات، وحرق وتدمير للمنازل.

الحكومة الإسرائيلية جن جنونها من الفيلم ومن الطريقة التي استقبل فيها؛ حيث حصل على جائزة دولية، وحصل أيضاً على تصفيق لفترة طويلة من الحضور. والأهم أنه يشكل مادة تحتوي على أدلة دامغة على الجرائم الإسرائيلية ويساعد الهيئات الدولية مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في إثبات القضايا المرفوعة ضد إسرائيل من قبل جنوب إفريقيا ودول أخرى؛ بتهمة ارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين. ويعزز أوامر التوقيف التي صدرت بحق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، وربما يتم توسيعها لاحقاً لتشمل قادة آخرين. من هنا كان غضب رئيس الحكومة الذي اتهم مخرجي الفيلم بأنهم انحازوا لحملة معاداة السامية التي تتعرض لها إسرائيل، أما رئيس الأركان فدعا إلى تشكيل فريق لمواجهة الأضرار المترتبة على الفيلم؛ لأنه يعرّض الجيش الإسرائيلي للخطر، ودعا وزير الثقافة ميكي زوهار إلى سحب الجنسية من المخرجَين يوفال أبراهام وراحيل سور.

في الواقع يكرّس الفيلم سقوط الرواية الإسرائيلية التي كانت تتغنى بأخلاقية الجيش الإسرائيلي باعتباره أكثر جيوش العالم «أخلاقاً وقيماً». والأمر الذي لا تريد إسرائيل الرسمية وقسم كبير من الجمهور في إسرائيل الاعتراف به هو أن هذا الادعاء قد انهار منذ فترة طويلة حتى قبل حرب غزة، في السابع من أكتوبر عام 2023، بالممارسات الاحتلالية التي لا تنسجم إطلاقاً لا مع القانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني أو مبادئ حقوق الإنسان أو أي نوع من القيم والأخلاق. فاستمرار الاحتلال هو في حد ذاته جريمة، فما بالنا وهو احتلال مجرم وبربري ويقوم بجرائم على مدار الساعة تتعدى كثيراً مصادرة حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والإنسانية. والفيلم هو استمرار لجهود تقوم بها منظمة «كاسرو الصمت» الإسرائيلية التي تعرض منذ عام 2004 شهادات موثقة لجنود وضباط خدموا في المناطق الفلسطينية المحتلة وكانوا شهوداً على جرائم ومخالفات خلال الخدمة. وعملياً هذه الشهادات التي لا يمكن لأحد أن يشكك في نوايا أصحابها لأنهم يهود إسرائيليون وليسوا «معادين للسامية» كما يحلو لإسرائيل أن تسمي كل من ينتقد سلوكها وأفعالها المشينة، يمكن أن تكون الدليل الأكثر صفعاً للأكاذيب الرسمية الإسرائيلية.

وبالمناسبة لا يتعلق السلوك الإسرائيلي فقط بحرب غزة التي ادعى مسؤولون إسرائيليون علناً أنه لا يوجد فيها أبرياء، وبعضهم دعا إلى محوها وإعادتها إلى ما قبل التاريخ، بل إن ما يحدث اليوم في الضفة الغربية من إرهاب وجرائم يرتكبها جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين العزل في محاولة لتهجيرهم من أرض وطنهم والاستيلاء عليها هو دليل آخر على الطبيعة الإجرامية لإسرائيل. واليوم لا يوجد أي فرق بين جنود وضباط الجيش وبين أي مستوطن إرهابي ومجرم. ويشير إسرائيليون، بناء على استطلاعات أجريت في الجيش، إلى أن الحزب الثاني من حيث التأييد في أوساطه هو «قوة يهودية» الذي يقوده إيتمار بن غفير. أي أن الغالبية يؤيدون «الليكود» و»قوة يهودية». وقسم كبير من الضباط ينتمون إلى تيار «الصهيونية الدينية». وهذا يوضح طبيعة القوات التي تنفذ الجرائم على الأرض والقيادة السياسية التي توجهها ولا تختلف معها، بل تشجعها على المزيد من الجرائم. ولعل هذا هو السبب الذي بدأ يحرك الأوروبيين لاتخاذ خطوات عقابية ضد المستوطنات والمستوطنين. فحتى لو كانت خطوات خجولة وغير كافية إلا أنها بدأت في التوسع تحت تأثير التغيير الكبير في الرأي العام الأوروبي والدولي ضد إسرائيل وجرائمها. فما عاد العالم يصدق الرواية الإسرائيلية التي انتهت إلى غير رجعة.