عن تفخيخ الخليج والخروج الأميركي الآمن من الحرب
نشر بتاريخ: 2026/09/17 (آخر تحديث: 2026/09/17 الساعة: 21:15)

هل أن تفخيخ الخليج هو طريق الخروج الأميركي الآمن من الحرب؟

أو: هل تحول هذا التفخيخ إلى الاستراتيجية الوحيدة المتبقية؟

تعالوا لنفحص هذا الأمر معاً.

عودة سريعة إلى الخلف للدخول مباشرة في صلب العنوان، دول الخليج العربية وقعت، وربما أوقعت نفسها في فخ نُصب لها بعناية عندما تماهت مع الانقلاب الأميركي على مذكرة التفاهم مع إيران، لأن هذا الانقلاب هو مفتاح فهم كل التطورات والأحداث التي أعقبت هذا الانقلاب.

لماذا؟ وكيف جرى ما جرى؟

أُجبرت عُمان تحت طائلة التهديد المباشر - ولعلكم تذكرون حديث ترامب عن سحق عُمان - على تحويل المياه الإقليمية العُمانية لممر جنوبي في محاولة لتهميش مضيق هرمز وبهدف تجريد إيران من ورقة هي الأخطر والأهم في يدها.

أفشلت إيران هذا المخطط كما نعرف جميعاً. مباشرة بعد هذا الفشل، عادت الولايات المتحدة للهجمات العسكرية دون جدوى وفشلت الهجمات ولم تحقق أي هدف يُذكر.

بإيحاء من ترامب، عادت المفاوضات بين عُمان وإيران للبحث عن صيغة للربط ما بين الممر الإيراني والعماني في آلية واحدة وموحدة للتشغيل والإدارة، وتم الوصول إلى تفاهم كامل حول هاتين المسألتين، إضافة إلى مقترحات ملموسة ومحددة ومشروطة لفتح المضيق مقابل رفع الحصار البحري، وإعادة الحق ببيع النفط الإيراني، والإفراج عن بعض الأموال الإيرانية - حوالي ٢٦ مليار دولار - وبحيث يتم اعتماد هذه الآلية لمدة أقصاها ٦٠ يوماً تجري خلالها مفاوضات لاستكمال التوصل إلى تفاهمات جديدة على قاعدة مذكرة التفاهم.

وكان من المفروض أن يُعقد اجتماع في صلالة (يوم الإثنين 7 أيلول) بين إيران ودول الخليج خصيصاً ولكنه أُلغي - بقدرة قادر - قبل 16 ساعة من انعقاده.

تبين في هذه الأثناء، أن اجتماعاً عسكرياً عُقد على مستويات عُليا شاركت فيه سبع دول عربية إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في ألمانيا، والأوساط الأميركية لم تنكر أن الاجتماع قد تناول الأوضاع في مضيق هرمز إضافة إلى اليمن!.

وفي هذه الأثناء، كانت تتصاعد حدة التوتر بين الرياض وصنعاء، وجرى الحديث والإعداد لأحلاف بحرية، وسبقه التوقيع على حلف مكة بين العربية السعودية وتركيا والباكستان، وبدت المنطقة وكأنها على أبواب انفجار كبير وأحداث وتطورات خطيرة.

الغريب في الأمر - مع أنه لا غريب إلا الشيطان - أن قناة الجزيرة وقنوات خليجية أخرى بدأت تتحدث عن أن القرار بالزحف على صنعاء قد أُخذ، وأن الأمور قد حُسمت نهائياً، ولم يتبقَ سوى تحديد ساعة الصفر فقط.

غنيّ عن القول طبعاً، إن مسألة بوزن اجتياح والزحف على صنعاء لا يمكن أن تأتي في سياق التحليل والتقديرات ومناقشات معتادة في ساعة حوار لا على شاشة الجزيرة ولا على أي شاشة أخرى، وغني عن القول أكثر، إن الدول العربية الخليجية على ما يبدو لي هنا قد صدقت بأن الولايات المتحدة عازمة على ممارسة أعلى أشكال الضغط على إيران وصولاً إلى تداعي أوضاعها الاقتصادية وانهيار قدرتها على الصمود والمُجابهة، وإن من شأن كسر الحلقة اليمنية أن يُسهم بصورة نوعية في تركيع إيران، أو إجبارها على تراجعات كبيرة، وصدقت ربما أنها ستدعم الاجتياح.

من هنا بالذات، ومن هنا بالضبط، بادرت صنعاء إلى الهجوم الذي قامت به والذي أسفر عن سيطرة أنصار الله على باب المندب.

فهل تنصّلت الولايات المتحدة، وعلى ما يبدو إسرائيل أيضاً بعد سيطرة قوات صنعاء بصورة مباغتة وسرعة قياسية عليه؟ أم أنهما ما زالتا تُعدان العُدة للتدخل عند درجة معينة من نُضج الظروف أو توفر الفرصة المواتية؟

الاحتمال الثاني ما زال ضعيفاً، وربما يكون مستبعداً لأسباب أميركية وإسرائيلية كثيرة وخاصة، أما الاحتمال الأول فهو الأكثر ترجيحاً، والأكثر انسجاماً مع الاستراتيجية الأميركية لتفخيخ منطقة الخليج علّها تكون الغطاء والمخرج الذي من خلاله ستخرج من الحرب دون أكلاف جديدة، وبذريعة أن من شأن المزيد من التورط الأميركي في الحروب البينية أن يُعرض القوات الأميركية لأخطار كبيرة قد لا تستطيع الدفاع عنها بما يكفي من الكفاءة والضمانات في ظل النقص في الذخائر الدفاعية، وخطر انكشاف البحرية أمام هجمات مزدوجة، خصوصاً أن القدرات الصاروخية المضادة للسفن البحرية لدى أنصار الله هي قدرات جدية كما ثبت للأميركيين قبيل هروبهم من البحر الأحمر بعيداً عن مرمى الصواريخ اليمنية.

لكن لماذا أقول وأسأل فيما إذا كانت الدول العربية الخليجية قد وقعت في الفخ؟ وما هو هذا الفخ بالضبط؟.

ليس هناك من أُحجية، والمسألة ببساطة وبوضوح أيضاً هي أن الولايات المتحدة طالما هي تنوي الانسحاب من الحرب، وطالما أنها تريد الخروج منها بتفاهم بين إيران ودول الخليج العربية، وطالما أن مثل هذا التفاهم سيعني إعادة الروح إلى الهيكل الأمني الشامل الذي سيكون بمثابة حالة فكاك وانفصال عن السيطرة الأميركية، وعن الدور الإسرائيلي فالأمر الطبيعي هنا، ومن أجل ألا يتحقق مثل هذا الهيكل هو أن تتورط بلدان الخليج العربية في حروب بينية وجانبية فيما بينها، ومع صنعاء إذا تعذرت هذه الحروب، ومع العراق بقدر ما هو ممكن.

لاحظوا معي أرجوكم، كيف أن ترامب يوحي بكل ذلك، وكيف أن نتنياهو بحذر وخبث يمارس نفس السياسة.

دعوكم من كذب ترامب حول طلب صنعاء بعدم تدخله في معارك باب المندب، ودعوكم أيضاً من طلب الأوساط الأمنية الإسرائيلية من المستوى السياسي في إسرائيل بالترقُب فقط في هذه المرحلة لأن التدخل الأميركي والإسرائيلي لا يخدم استراتيجية الخروج من الحرب، والحرب كما هو حالها منذ سبعة أشهر ليست مضمونة النتائج، وهما على أبواب أو في خضم أزمات طاحنة في واشنطن وتل أبيب، والوقت لا يسعفهما من كل الزوايا، والتدخل سيؤدي إلى إغلاق باب المندب، وإلى دمار كبير في كامل بنية الطاقة، وسيكون بالتأكيد من التبعات الاقتصادية على دول العالم كله ما يفوق قدرتها على التحمل، والأمر برمته ينذر بما هو أكبر وأعمق وأخطر من مجرد انهيارات سياسية.

أما إذا استنكفت الولايات المتحدة عن التدخل، وأبقت منطقة الخليج في حالة من الاشتباك فإنها تضمن كما ترى وتخطط لاحتواء كل الأطراف واستنزافها، ولا تغامر بإغلاق باب المندب، وتُحاول أن يكون انسحابها تدريجياً حتى الانتخابات النصفية وتعمل على كبح جماح ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط والغاز بقدر ما يمكنها ذلك.

وهي بهذه الاستراتيجية تُبقي على التفوق الإسرائيلي، وليست مُجبرة على الصدام مع دورها إلا حينما يستقر الوضع السياسي الإسرائيلي بعد الانتخابات الوشيكة إن جرت فعلاً.

هل تمتلك دول الخليج العربية القدرة على نزع فتيل هذا الفخ القاتل؟

جوابي أنها تمتلك، وتستطيع أن تُفوّت هذه الفرصة على ترامب وغير ترامب. يكفي أن تتوصل مع إيران إلى منظومة أمنية متكاملة تحفظ الحقوق لكل الأطراف، وتفرض الالتزامات على كل طرف، وتستطيع حل المسألة اليمنية في الإطار اليمني والتفاهم بين كل الأطراف السياسية في اليمن على استراتيجية لإعادة توحيد البلاد وإعادة إعمارها.