عاصفة "نازا" لم تغيّر الخلاصة؛ إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة
نشر بتاريخ: 2026/09/20 (آخر تحديث: 2026/09/21 الساعة: 01:00)

• أنا أيضاً لم أشاهد فيلم "نازا" حتى الآن، شأني شأن معظم مواطني الدولة، لكن لديّ رأي مثل أيّ شخص آخر، ليس في الفيلم نفسه، إنما في الضجة المتوترة والمشحونة بالاستقامة الأخلاقية التي اندلعت في إسرائيل بعد عرضه، وتقريباً من دون أن يشاهده المعلّقون، في معظمهم. وإلى حين مشاهدة العمل نفسه، يمكن على الأقل البدء بفهم موضوعه، استناداً إلى المقال الذي نشره رفيف دروكر في "هآرتس"، بعد أن شاهد الفيلم، وإلى المقابلة التي أجراها دروكر في القناة 13 مع أحد المخرجَين الإسرائيليَّين، يوفال أبراهام؛ كذلك تحدثتُ مع أشخاص شاهدوا الفيلم كاملاً.

• وعلى غرار ما حدث أكثر من مرة، يبدو كأن هناك ردة فعل مذعورة ومبالغاً فيها من المؤسستين السياسية والعسكرية، ومن قطاعات واسعة من الإعلام الإسرائيلي. ويبدو لي البيان، الذي سارع رئيس هيئة الأركان إيال زامير إلى إصداره، كأنه غريب، إذ لم يكتفِ بالدفاع عن معايير القتال في الجيش الإسرائيلي وإدانة صنّاع الفيلم، بل أمرَ أيضاً بفتح تحقيق لتحديد هوية 24 جندياً وضابطاً، معظمهم من عناصر الاستخبارات، أُجريَت معهم مقابلات في الفيلم بوجوه مموهة، ومن دون الكشف عن هوياتهم. ربما كان من الأفضل للجيش أن يلتزم روح البيان الأولّي للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: لم يتوجه إلينا صنّاع الفيلم أصلاً لإجراء حوار، أو لطلب ردّ، قبل نشر الفيلم، ولم تُتَح لنا فرصة مشاهدته، وبعد مشاهدة الفيلم، سنفحص ما إذا كانت الادعاءات الواردة فيه تستند إلى وقائع.

• ليس لدى الجيش الإسرائيلي ما يكسبه من مطاردة الساحرات، ومن إسكات الأفواه. وفي المقابل، لا عجب من الغضب "المقدس" الذي تنفثه الحكومة والمتحدثون باسمها منذ فوز الفيلم بجائزة في مهرجان البندقية، ومنذ تصفيق الجمهور الحماسي له مدة 25 دقيقة. وهذه الفرصة مثالية لنتنياهو لتحويل النقاش مرةً أُخرى، خلال النظام الانتخابي، بعيداً عن إخفاقاته وتقصيراته التي سمحت بحدوث "مذبحة" 7 أكتوبر، إلى جانب الفشل الرهيب للأجهزة الأمنية في منافسة زائفة على الوطنية، يخسر فيها اليسار دائماً ويُتهم دائماً بمساعدة العدو، بصرف النظر عن المواقف التي عبّر عنها قادة كتلة المعارضة في الواقع.

• وفي الخلفية، تبرز مشكلة قديمة تفاقمت خلال الحرب الحالية؛ إذ يتركز النقاش الداخلي على مسائل الدعاية الإسرائيلية والضرر المحتمل الذي يُلحقه الفيلم بإسرائيل في العالم. أولاً، إذا كنا نتحدث عن الدعاية، فإن الضرر الأكبر تسبّبه التصريحات الجامحة التي أدلى بها وزراء وأعضاء كنيست منذ "المذبحة"، وكذلك ملاحقة صنّاع الفيلم الآن، إلى حدّ الدعوات إلى إعدامهم، أو الاعتداء عليهم علناً؛ ثانياً، القصة الحقيقية هي ما يحدث على أرض الواقع، وليس الطريقة التي تُعرض بها الأحداث، أو يجري الحديث عنها. وبخلاف ما يمكن أن يُفهم من تصريحات أبراهام لدى دروكر، لم تتجاهلها جميع وسائل الإعلام الإسرائيلية؛ ففي "هآرتس"، نُشرت تحقيقات مفصّلة عرضت معطيات صعبة بشأن الحرب، وبشأن الثمن الذي يدفعه أيضاً الجنود الذين شاركوا فيها، ومن بين ذلك ما يُسمى الآن "الإصابة الأخلاقية".

• ويظهر خلط في تصريحات أبراهام، يبدو كأنه متعمد، بين الصحافة والتوثيق السينمائي والنشاط السياسي، بما في ذلك ردّه على الانتقادات الموجهة إلى الفيلم؛ فما هي المعايير المهنية التي يرى أنها مُلزمة له، بحكم النضال الذي يخوضه ضد الاحتلال في الضفة الغربية، ثم ضد الحرب الإسرائيلية في غزة؟ على الأقل، تبرز في المقابلات والتغطية الإعلامية للفيلم علامات استفهام بشأن تجاهُل صنّاعه السياق الكامل، أي "الفظائع" التي ارتكبتها "حماس" في 7 أكتوبر، وكذلك بشأن مغازلتهم المتعمدة للصور والمقارنات المتعلقة بـ"المحرقة". وينشأ شك في أن اختيار الأحرف الأولى "نازا" يرتبط بدرجة أقل بمعناها العسكري "ضرر جانبي"، أي إصابة أشخاص غير مشاركين في القتال.

• بعد صدمة "المذبحة"، يفضّل كثيرون من الإسرائيليين المضيّ في حياتهم كأنهم لم يروا ولم يسمعوا، أي تجاهُل ما يُرتكب باسمهم في غزة، واختراع صورة بديلة تقدَّم للعالم، ثم الاستغراب عندما يرفض العالم قبولها من دون اعتراض. لقد اعتُبرت "المذبحة" في منطقة غلاف غزة داخل الجيش الإسرائيلي حدثاً ذا أبعاد توراتية؛ فكثيرون من القادة والجنود الذين قاتلوا لاحقاً في غزة رأوا هذه المشاهد بأعينهم، ودفعت هذه التجارب إلى الرغبة في الانتقام، بل أكثر من ذلك، إلى الاعتقاد أن المطلوب كان رداً ذا طابع توراتي، لأن إسرائيل، وفق هذا التصور، لن تبقى إلّا بإعادة ترسيخ الردع تجاه جيرانها.

• وفي الوقت نفسه، غذّى سياسيون وجنرالات ومعلّقون مشاعر الكراهية والانتقام، عبر تصريحات تحريضية، فضلاً عن الحاجة، مع بدء المناورة البرية، إلى حماية القوات التي عملت داخل منطقة حضرية مكتظة، وواجهت مسلحين اختبأوا خلف السكان المدنيين.

• أدت هذه الأوضاع إلى إجراءات عديدة: تعليمات بإطلاق النار متساهلة نسبياً، نظراً إلى الخطر الذي واجهته القوات - ففي حالات كثيرة، أُطلقت النار على فلسطينيين لأنهم تجاوزوا، وأحياناً من دون علمهم، خطاً وهمياً لم يكن مرسوماً على الأرض؛ وتصاريح واسعة لاستخدام "الضرر الجانبي"- إذ تمت الموافقة أحياناً على هجوم، حتى مع وجود احتمال أن يؤدي إلى مقتل 100 مدني، إن لم يكن 500، بحسب ما زُعم في الفيلم، فضلاً عن التدمير المنهجي للمنازل.

• استمر تدمير المنازل والبنية التحتية حتى اليوم، وهناك مبررات لذلك تستند إلى استخدام "حماس" الحيّز الحضري، إذ تُستخدم نسبة كبيرة من الشقق لتخزين الأسلحة وتركيب الكاميرات وزرع العبوات الناسفة، لكن هناك أيضاً اعتباراً آخر، هدفه إبعاد إمكانات إعادة البناء الفلسطيني عن خط المستوطنات الإسرائيلية الأول. وفي المقابل، أصبحت إجراءات الموافقة على "الضرر الجانبي" أكثر تشدداً اليوم، وانخفض عدد المدنيين الذين قُتلوا هذا العام في القطاع بشكل كبير؛ خلال الأشهر الأولى من الحرب، سادت حالة من الانفلات، جاء بعضها من الأسفل إلى الأعلى، وبعضها الآخر فُرض من الاتجاه المعاكس، ويؤكد كثيرون من الضباط ذلك في محادثات غير قابلة للنشر بأسماء أصحابها.

• إن الخلاصة مما وُصف هنا واضحة إلى حدّ كبير، ومفادها بأن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، سواء على أيدي جنود تصرفوا بمفردهم، أو في إطار عمليات نفّذتها وحدات وفرق كانت جزءاً من منظومة أوسع، وهناك أوجه تشابُه في ذلك مع الطريقة التي تصرّف بها الأميركيون في المعارك الحضرية في العراق وسورية، ولا سيما في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية؛ إذ أدت طريقة عمل "حماس"، إلى حدّ كبير، إلى جرّ الجيش الإسرائيلي إلى هذا الفخ، بينما علِق المدنيون الفلسطينيون في المنتصف.

• أنا لست خبيراً في الإبادة الجماعية، لكن الادعاءات التي تُطرح بثقة بشأن ارتكاب إبادة جماعية لا تبدو مقنعة؛ تكبّد الجيش الإسرائيلي 472 قتيلاً وآلاف الجرحى خلال المناورة البرية في القطاع، فضلاً عن عدد أكبر من المقاتلين الذين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة؛ إنها ليست نتائج يحققها جيش قوي ينخرط في عملية إبادة متعمّدة، وهناك ما يكفي من شهادات المقاتلين والطيارين الذين لم يحصلوا على إذن بإطلاق النار في مواجهة خطر، بسبب الخوف من إصابة أشخاص غير مشاركين في القتال، كما أن نسبة الخسائر الفلسطينية - نحو 74 ألف قتيل، يُعتقد أن نحو ثلثهم من عناصر "حماس" والجهاد الإسلامي، لا تدلّ على جهد إبادة منهجي ومخطَّط له.

• ما حدث في القطاع، خلال أجزاء من فترة القتال، كان قاسياً ومُقلقاً بما يكفي في حدّ ذاته، وهذا يتطلب مواجهة الواقع وإجراء مراجعة ذاتية لمنع تكرار الأخطاء والانتهاكات في حروب ربما تندلع هنا مستقبلاً، لكن بدلاً من ذلك، تنشغل إسرائيل برقصة الشياطين، وملاحقة المخرجين في الداخل، وبعراضات من الاستقامة الأخلاقية في الخارج؛ هذا كله يمكن أن يساعد نتنياهو على حشد قاعدته الانتخابية، استعداداً للانتخابات، لكن من الصعب الاعتقاد أن له أيّ فائدة أُخرى.