حين أصبح 7 أكتوبر تقويمًا للغزيين
نشر بتاريخ: 2026/09/27 (آخر تحديث: 2026/09/27 الساعة: 21:03)

حين تتحدث مع أحد الغزيين عن تفاصيل الحياة الطبيعية، عن مدرسة أو عمل أو مناسبة أو شارع أو بيت، تجد نفسك تلقائيًا تقول: «هذا كان قبل الحرب» أو «هذا كان قبل 7 أكتوبر». لم يعد التاريخ مجرد وسيلة لتحديد زمن الحدث، بل أصبح 7 أكتوبر تاريخًا فاصلًا بين زمنين؛ ما قبله وما بعده.

خصوصية الحالة الغزية أن هذا التاريخ لم يفصل فقط بين حرب وسلام، بل بين نمطين مختلفين من الحياة. فالحياة التي كانت قبل الحرب أصبحت اليوم تُستعاد باعتبارها صورة للحياة الطبيعية، بينما ما جاء بعدها يبدو وكأنه زمن آخر بقواعد مختلفة.

الحرب لم تغير المكان وحده، بل غيرت العلاقات الاجتماعية والعمل والتعليم وتفاصيل الحياة اليومية. أشياء كانت عادية وبديهية أصبحت اليوم جزءًا من الذاكرة؛ مدرسة، شارع، بيت، مكان عمل، جلسة مع الأصدقاء، أو حتى يوم عادي لم نكن نشعر بقيمته.

والمفارقة أن التاريخ عادة يسير من القديم إلى الحديث، أما في غزة فقد انقلب المسار. حين نتحدث عن الماضي نقصد في كثير من الأحيان الحياة الأكثر استقرارًا، والتعليم والعمل والبيوت والشوارع التي كانت تشكل يومنا. أما الحاضر فنجد أنفسنا نصف واقعًا أكثر بدائية وتأخرًا، وكأن الزمن توقف أو عاد إلى الخلف.

لكن الأخطر هو ما يحدث داخل الإنسان نفسه. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا في رفض دائم للواقع، فيبدأ بالتكيف معه. نعتاد الخيمة، وانقطاع الأشياء، وتبدل المدارس، وأشكال العمل الجديدة، ونعتاد أن تكون الحياة أقل من الطبيعي، ثم يصبح هذا الاعتياد جزءًا من شخصيتنا.

شيئًا فشيئًا يصبح الواقع الجديد هو المرجعية التي نقيس عليها كل شيء، ونسرق بعض التفاصيل من الماضي لنشعر أننا ما زلنا نحن، بينما نفقد تدريجيًا الإحساس بتلك الحياة التي كانت لنا.

حتى أعمارنا وأعمار أطفالنا تبدو وكأنها تقدمت عشر سنوات. ليس بعدد السنوات، وإنما بحجم الأحداث التي عشناها خلالها. ثلاث سنوات من الحرب كانت مزدحمة إلى درجة أننا أوشكنا أن ننسى كيف كنا قبلها، وكيف كانت تفاصيل حياتنا التي كنا نعتبرها عادية.

ثلاث سنوات في الحياة الطبيعية قد تكون ثلاث سنوات من الدراسة والعمل والزواج والأطفال والمناسبات والذكريات. أما ثلاث سنوات من الحرب فهي زمن مزدحم تشعر خلاله أنك عشت أكثر من عمر داخل عمر واحد.

ولعل الأخطر أن كثافة الأحداث بدأت تهدد ذاكرتنا نفسها. فما حدث بالأمس يزاحمه حدث جديد اليوم، حتى أصبح استحضار تفاصيل حياتنا قبل الحرب أصعب مما نتخيل.

في غزة، أصبح 7 أكتوبر أكثر من تاريخ؛ أصبح تقويمًا نفسيًا واجتماعيًا، وكل شيء تقريبًا يقاس قبله وبعده. والخوف الحقيقي ليس أن يبقى هذا التاريخ علامة في ذاكرتنا، بل أن يصبح ما بعده هو الطبيعي، وأن نفقد قدرتنا على تخيل الحياة التي كانت قبله.

فالإنسان يستطيع أن يعيش في أصعب الظروف إذا اضطر، لكنه يصبح في خطر آخر حين يعتاد عليها وينسى أنها لم تكن حياته أصلًا.

ولعل معركة غزة الأخرى هي أن تحافظ على ذاكرتها، وعلى صورتها عن الحياة، وعلى حق أبنائها في أن يتذكروا أنهم كانوا يعيشون أعمارهم كما يعيشها الآخرون، لا كما تفرضها عليهم الحروب.

لأن أخطر ما فعلته السنوات الثلاث الماضية ليس فقط أنها أخذت من أعمارنا، بل أنها جعلتنا نعتاد على حياة لا تشبهنا، حتى أصبح استعادة ذواتنا القديمة أصعب من استعادة ما فقدناه من الأشياء.