دحلان.. بين سؤال الثروة وسيمفونية الإنسان أولاً
نشر بتاريخ: 2026/10/03 (آخر تحديث: 2026/10/03 الساعة: 02:56)

محمد دحلان شخصية قيادية فلسطينية بقيت حاضرة في المشهد الفلسطيني والإقليمي والدولي، رغم إقصائه من حركة فتح وخروجه من مؤسسات السلطة الوطنية. اختلف الفلسطينيون حول تجربته ومواقفه، كما أثير الكثير من الجدل حول ثروته ومصادرها، وهي مسائل مكانها الوثائق والتحقيق والقانون، لا السجالات التي لا تنتهي.

لكنني أطرح سؤالاً بسيطاً: إذا كان محمد دحلان يمتلك المال، فهل يحتاج إلى السلطة من أجل جني المال؟

لا أطرح هذا السؤال لإغلاق باب المساءلة، فالمال العام حق للشعب، وأي شبهة تتعلق به تستحق التحقيق وفق القانون. لكنني أرفض أن يتحول الحديث عن الثروة إلى معركة شخصية تطغى على كل ما عداها، أو أن يصبح المال هو العدسة الوحيدة التي نرى من خلالها شخصية سياسية فلسطينية.

وأتذكر هنا واقعة شخصية من سنوات مضت، حين كان اسم دحلان في غزة يُعامل باعتباره تهمة سياسية. كنت يومها في الأمن الداخلي، ودار معي حديث حول تمويل التوجه ومصدر المال، ثم وُجّه إليّ سؤال مباشر: «لو فلس دحلان، كيف سيكون حالكم؟»

أجبت بعفوية تعبّر عن موقفي آنذاك: «سأبيع بيتي وأقدّم المال له».

لم يكن جواباً عن حساب مصرفي، ولا دفاعاً عن رقم في بنك؛ كان جواباً عن قناعة شخصية تجاه رجل كنت أرى فيه مشروعاً سياسياً ودوراً وطنياً.

لكن ما حدث بعد ذلك كان مؤلماً؛ فقد تحوّل الحوار إلى ما أذكره حتى اليوم بـ*«حفلة عشاء بالعصي الغليظة»*.

لا أروي هذه الحكاية لاستعادة الألم، ولا لفتح دفاتر الماضي، وإنما لأقول إن بعض الأسئلة السياسية كانت تُطرح أحياناً في أجواء لم تكن تسمح حتى بالاختلاف الهادئ.

اليوم، وبعد سنوات، ما زلت أرى أن من حق أي فلسطيني أن يسأل عن المال، ومن حق أي شخصية أن تُحاسب وفق القانون، لكن ليس من حق السجال أن يختزل الإنسان والتجربة كلها في سؤال الثروة.

فالحديث عن الثروات، عندما يتحول إلى خصومة مستمرة، قد يدفن الثورة في مقابر السجالات الواهية، ويأخذنا بعيداً عن المواطن الذي يريد خبزاً ودواءً وماءً ومأوى وكرامة.

وفي المقابل، من الإنصاف أن نتذكر ما ارتبط باسم دحلان وتيار الإصلاح الديمقراطي من جهود إغاثية وإنسانية للفلسطينيين، قبل الحرب وخلالها. وقد وثقت مصادر متعددة برامج ومساعدات غذائية وطبية وإغاثية، فيما أعلن دحلان نفسه أنه لا يسعى إلى منصب رسمي وأنه مستمر في تقديم المساعدة للشعب الفلسطيني.

هنا أعزف على وتر مختلف: سيمفونية الإنسان أولاً.

فالإنسان المنهك لا يسأل دائماً من أين جاءت المساعدة، بقدر ما يسأل: هل وصلت؟ وهل أعادت إلى طفله شيئاً من الحياة والكرامة؟

أنا لا أكتب لتبرئة أحد، ولا لإدانة أحد، وإنما للإنصاف. فالإنصاف لا يعني أن نتفق مع دحلان في كل شيء، كما لا يعني أن نتجاهل ما قدمه. إنما يعني أن نضع كل شيء في مكانه: الوثيقة للمال، والقانون للمساءلة، والعمل للتقييم، والشعب للحكم على التجربة.

ودحلان، مثل أي شخصية فلسطينية، ليس أكبر من النقد، لكنه أيضاً ليس أصغر من الإنصاف.

وفي النهاية، قد لا يبقى في ذاكرة الناس مقدار ما امتلكه السياسي من مال، بقدر ما يبقى أثر ما فعله في حياة إنسان.

وحين تهدأ أصوات الخصومة، وتُغلق دفاتر السجالات، يبقى الإنسان شاهداً على من مدّ يده إليه في زمن الانكسار، ومن رأى في وجعه قضية، وفي كرامته وطناً.

وربما هنا تبدأ الحكاية الحقيقية:

ليس بسؤال: كم يملك دحلان؟ بل بسؤال: ماذا بقي من أثره في حياة الفلسطيني؟