تقرير: علي أبو عرمانة - أعاد قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى سبتمبر/أيلول 2027 الجدل بشأن مستقبل العملية الديمقراطية وأزمة الشرعية السياسية، في وقت يواجه فيه الفلسطينيون ظروفًا استثنائية بفعل استمرار الحرب في قطاع غزة، وتصاعد الاعتداءات والاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وسط تساؤلات عن جدوى ترحيل الاستحقاق الانتخابي عامًا إضافيًا، ومدى إمكانية تهيئة الظروف لإجرائه في الموعد الجديد.
وفي تصريحات خاصة لـ«الكوفية»، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي الدكتور إبراهيم الطهراوي أن تأجيل الانتخابات يمثل التفافًا على إرادة الناخبين الفلسطينيين، محذرًا من تكرار سيناريو عام 2021، فيما رأى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور محمد اشتيوي أن استمرار تعطيل الانتخابات يفاقم أزمة الشرعية، ويعمّق فجوة الثقة بين المواطنين والقوى السياسية، ويحرم الفلسطينيين من فرصة تجديد نظامهم السياسي على أسس ديمقراطية.
التفاف على إرادة الناخبين
وقال الطهراوي إن المرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس محمود عباس بشأن تأجيل الانتخابات يعكس، بحسب تقديره، التفافًا على إرادة الناخبين الفلسطينيين، مؤكدًا أنه كان ينبغي مواصلة العملية الانتخابية حتى محطتها النهائية، بدلًا من العودة إلى التأجيل بعد سنوات من الانتظار.
وأوضح أن الانتخابات التشريعية سبق أن أُجلت عام 2021، فيما يواجه الفلسطينيون اليوم تأجيلًا جديدًا يمتد إلى سبتمبر/أيلول 2027، رغم أن الظروف التي حالت دون إجراء الانتخابات لم تشهد تغيرًا جوهريًا، في ظل استمرار الحرب في غزة، وتقطيع أوصال مناطق الضفة الغربية بفعل إجراءات الاحتلال.
وأشار إلى أن لجنة الانتخابات المركزية كانت على دراية بالعقبات التي تواجه العملية الانتخابية في غزة والضفة الغربية والقدس، معتبرًا أن وجود هذه التحديات كان يستدعي البحث عن آليات لتجاوزها، لا إرجاء الاستحقاق الانتخابي إلى موعد جديد.
وأضاف أن الفلسطينيين كانوا يعولون على إجراء الانتخابات باعتبارها فرصة لاختيار ممثليهم وتجديد الحياة السياسية، لافتًا إلى أن المواطنين لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع منذ سنوات طويلة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى قيادة منتخبة قادرة على التعامل مع تداعيات الحرب والاستيطان ومصادرة الأراضي.
وفي قراءته لانعكاسات القرار، حذر الطهراوي من استمرار حالة الجمود والتراجع في المشهد الفلسطيني، مشيرًا إلى أن تأجيل الانتخابات يترك النظام السياسي أمام أزمة متواصلة، ويثير تساؤلات بشأن إمكانية إجراء الاستحقاق في موعده الجديد، أو تكرار سيناريو التأجيل مرة أخرى.
ودعا إلى إطلاق حوار وطني حقيقي بين الفصائل الفلسطينية والرئاسة لمعالجة الإشكاليات التي تعترض إجراء الانتخابات، والتوصل إلى تفاهمات تضمن المضي قدمًا في العملية الديمقراطية، بدلًا من إبقاء الملف مفتوحًا على احتمالات التأجيل المتكرر.
وانتقد الطهراوي ما وصفه بالمفارقة في مواقف بعض الفصائل، التي طالبت بإجراء الانتخابات ثم أيدت تأجيلها، معتبرًا أن المواطن الفلسطيني والقضية الوطنية هما من يدفعان ثمن استمرار الخلافات السياسية.
كما أبدى استغرابه من اختيار 11 سبتمبر/أيلول موعدًا للانتخابات، معتبرًا أن اختيار تاريخ يحمل دلالات سياسية دولية كان يستدعي، من وجهة نظره، التفكير في موعد يرتبط بمناسبة وطنية فلسطينية.
ورجح الطهراوي أن يكون التراجع عن قرار التأجيل في المدى المنظور مستبعدًا، في ظل ما وصفه بوجود رغبة لدى عدد من القوى السياسية في إرجاء الانتخابات، مشددًا على أن معالجة الأزمة تتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الحسابات الفصائلية.
الفلسطينيون رهائن لواقع سياسي مغلق
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي الدكتور محمد اشتيوي أن الساحة الفلسطينية في أمسّ الحاجة إلى إجراء الانتخابات، معتبرًا أن تأجيلها للمرة الثانية يحرم المواطنين من فرصة استعادة الأمل بتجديد النظام السياسي وتعزيز الوحدة الوطنية بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقال اشتيوي إن الانتخابات كانت تمثل رابطًا أساسيًا بين أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف المناطق، ومدخلًا لتوحيد النظام السياسي ضمن إطار جامع، مشيرًا إلى أن استمرار غيابها يرسخ واقعًا سياسيًا مغلقًا، ويُبقي المواطنين أسرى للمنظومة السياسية القائمة وتوجهاتها.
وأضاف أن مبررات التأجيل، حتى إن استند بعضها إلى اعتبارات وطنية، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لتعطيل العملية الديمقراطية، محذرًا من استمرار النمط السياسي نفسه من دون تجديد للشرعيات أو إتاحة المجال أمام خيارات جديدة.
وأوضح أن مبادرة تأجيل الانتخابات، وفق قراءته، جاءت في سياق مقترح تقدمت به الجبهة الشعبية، قبل أن تتبلور مواقف خلال الحوارات الأخيرة مع الفصائل الفلسطينية في القاهرة، مشيرًا إلى أن هذه المشاورات انتهت إلى مؤشرات دفعت باتجاه التأجيل.
وتساءل اشتيوي عن الضمانات التي يمكن أن تجعل الظروف الفلسطينية أفضل بحلول سبتمبر/أيلول 2027، في ظل استمرار التدهور الميداني والإنساني، وتصاعد الضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة.
وشدد على أن غياب الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلى جانب تعطيل أشكال أخرى من التمثيل الديمقراطي، يفاقم أزمة الشرعية ويعمّق شعور المواطنين بالعجز عن التأثير في مستقبلهم السياسي.
ووصف اشتيوي المواطن الفلسطيني بأنه «يتيم للديمقراطية الفلسطينية»، في إشارة إلى غياب المسارات الانتخابية التي تتيح له اختيار ممثليه وتجديد ثقته بالقيادات والقوى السياسية.
وأضاف أن إعلان إجراء الانتخابات كان قد أعاد الأمل إلى قطاعات من الفلسطينيين، ولا سيما في قطاع غزة، الذين كانوا يتطلعون إلى فرصة لإعادة بناء حياتهم ومستقبل أبنائهم بعد الدمار الذي خلفته الحرب، قبل أن يعيد قرار التأجيل المخاوف من استمرار الأزمة السياسية.
الاحتلال والعقبات الميدانية.. مبررات لا تحسم الجدل
وفي معرض حديثه عن العراقيل التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، أشار اشتيوي إلى أن منع الانتخابات في القدس كان أحد المبررات المطروحة خلال تجربة عام 2021، لكنه اعتبر أن اختلاف الظروف الحالية لا يبرر بالضرورة التخلي عن الاستحقاق الانتخابي، خصوصًا أن التحديات الميدانية مرشحة للاستمرار.
وحذر من أن استمرار الحرب في غزة، وتوسيع الاستيطان ومحاولات الضم في الضفة الغربية، إلى جانب الهدم والاعتقالات والإجراءات الإسرائيلية في القدس، قد يجعل الظروف أكثر تعقيدًا خلال الفترة المقبلة، متسائلًا عن جدوى تأجيل الانتخابات إلى موعد لا توجد ضمانات واضحة بإمكانية الالتزام به.
وأكد أن الانتخابات لا تقتصر أهميتها على اختيار ممثلين جدد، بل تمثل فرصة لإعادة وصل قطاع غزة بالضفة الغربية ضمن نظام سياسي واحد، في مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تستهدف، وفق تقديره، تعميق الانقسام الجغرافي والسياسي الفلسطيني.
ولفت إلى أن تجديد الشرعيات السياسية من شأنه تعزيز حضور الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي، وإعادة بناء إطار تمثيلي قادر على التعبير عن تطلعاتهم ومواجهة التحديات الوطنية.
أزمة ثقة تتجاوز موعد الانتخابات
وتكشف مواقف المحللين، رغم اختلاف زوايا تناولهما للقرار، عن قلق مشترك من تداعيات استمرار تعطيل الانتخابات على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، في ظل اتساع الفجوة بين تطلعات المواطنين وأداء القوى السياسية.
فبينما يركز الطهراوي على ضرورة احترام إرادة الناخبين وعدم تكرار تجربة التأجيل، يشدد اشتيوي على أن استمرار غياب الانتخابات يفاقم أزمة الشرعية، ويضعف ثقة المواطنين بالمنظومة السياسية، ويحرمهم من فرصة المشاركة في تحديد مستقبلهم.
وفي المحصلة، لا يقتصر خطر تأجيل الانتخابات الفلسطينية على ترحيل موعد الاستحقاق إلى سبتمبر/أيلول 2027، بل يمتد إلى تكريس أزمة الشرعية وإبقاء النظام السياسي رهينة قرارات القيادة القائمة، بعيدًا عن إرادة الناخبين وحقهم في اختيار ممثليهم. فالرئيس محمود عباس وقيادة السلطة، اللذان كانا أمام فرصة للمضي في مسار انتخابي يعيد تجديد المؤسسات، اختارا تأجيل هذا الاستحقاق، وفق ما عكسته تداعيات القرار ومواقف المحللين. وبينما يواجه الفلسطينيون حربًا ودمارًا واستيطانًا ومصادرةً للأرض، تتواصل أزمة التمثيل السياسي في ظل غياب الانتخابات، لتبقى كلفة التعطيل واقعة على المواطن والقضية الوطنية معًا. إن تجديد الشرعية لا يتحقق بالمراسيم ولا بتحديد مواعيد مؤجلة، بل بصناديق الاقتراع واحترام حق الشعب في تقرير من يحكمه ويمثله.