خاص|| ياسر عباس وصراع خلافة السلطة.. هل يؤجَّل صندوق الاقتراع لحماية مراكز النفوذ؟
نشر بتاريخ: 2026/10/13 (آخر تحديث: 2026/10/13 الساعة: 22:09)

غزة: عاد اسم ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إلى واجهة النقاش السياسي الفلسطيني بالتزامن مع تأجيل الانتخابات التشريعية مجدداً، في تطور أعاد فتح أسئلة قديمة حول مستقبل النظام السياسي، وآليات انتقال السلطة، وحدود الفصل بين مؤسسات الحكم والمصالح العائلية ومراكز النفوذ داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية.

ففي الوقت الذي ينتظر فيه الفلسطينيون استعادة حقهم في اختيار ممثليهم وتجديد المؤسسات السياسية عبر صناديق الاقتراع، تتصاعد الانتقادات بشأن استمرار تأجيل الانتخابات وغياب آلية واضحة لتداول السلطة، وسط تساؤلات عن طبيعة الترتيبات الجارية داخل القيادة الفلسطينية، ودور الشخصيات المحيطة بالرئيس في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

 ياسر عباس.. من النشاط الاقتصادي إلى مركز القرار السياسي

ارتبط اسم ياسر عباس، خلال السنوات الماضية، بالنقاشات المتعلقة بالنفوذ الاقتصادي والسياسي داخل محيط الرئاسة الفلسطينية. غير أن التطور الأبرز في هذا الملف جاء مع انتخابه عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح خلال المؤتمر الثامن للحركة.

وأثار صعود ياسر عباس داخل الهيكل القيادي للحركة تساؤلات بشأن إعادة توزيع مراكز النفوذ، في ظل خلافات داخلية حول تشكيل القائمة الانتخابية للحركة وتوازنات القيادة بعد المؤتمر. 

لكن من الضروري التمييز بين الوقائع والتفسيرات السياسية: فوجود ياسر عباس في موقع قيادي داخل فتح لا يثبت، بحد ذاته، وجود قرار رسمي بتوريثه السلطة أو اتفاق نهائي على خلافة والده. إنما يفتح الباب أمام نقاش عام حول معايير اختيار القيادات، وتكافؤ الفرص، وضمان ألا تتحول المواقع التنظيمية إلى مدخل لترتيبات خلافة لا تستند إلى تفويض شعبي.

 تأجيل الانتخابات.. قرار يتجاوز الموعد الانتخابي

في 30 أبريل/نيسان 2021، أصدر محمود عباس مرسوماً بتأجيل الانتخابات العامة، التي كان مقرراً أن تشمل الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، إلى حين توافر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس الشرقية.

وقدمت الرئاسة الفلسطينية آنذاك منع سلطات الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس باعتباره السبب الأساسي للقرار، مؤكدة أن إجراء الانتخابات من دون القدس يمس الحقوق الوطنية الفلسطينية.
في المقابل، أثار القرار انتقادات سياسية واسعة، خصوصاً أن الاستعدادات الانتخابية كانت قد قطعت شوطاً مهماً، وأن الانقسامات داخل فتح والمخاوف من نتائج المنافسة كانتا حاضرتين في التحليلات والتغطيات الصحفية آنذاك.

وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أُعلن مجدداً تأجيل الانتخابات التشريعية التي كان مقرراً إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني، وحدد المرسوم الجديد 11 سبتمبر/أيلول 2027 موعداً للانتخابات التشريعية والرئاسية.

واستندت التبريرات المعلنة إلى الظروف السياسية والأمنية، والقيود الإسرائيلية، وصعوبة ضمان إجراء انتخابات حرة وشاملة، لا سيما في القدس الشرقية وقطاع غزة. وفي المقابل، رأى منتقدون أن تكرار التأجيل يطيل بقاء القيادة القائمة خارج اختبار انتخابي حقيقي، ويعمّق أزمة الشرعية السياسية.

ما علاقة ملف الخلافة بتأجيل الانتخابات؟

لا توجد أدلة منشورة كافية للجزم بأن تأجيل الانتخابات اتُّخذ خصيصاً لتمهيد الطريق أمام ياسر عباس أو لحماية مشروع توريث محدد. لكن تزامن التأجيل مع صراعات مراكز النفوذ داخل فتح، وصعود شخصيات جديدة في مواقعها القيادية، وغياب مسار واضح لتداول السلطة، يجعل العلاقة بين الملفين موضوعاً مشروعاً للفحص السياسي والإعلامي.

وتبرز هنا ثلاثة أسئلة أساسية:

- من يحدد شكل القيادة المقبلة؟ هل يجري ذلك عبر مؤسسات وطنية منتخبة، أم عبر تفاهمات داخلية تسبق أي تفويض شعبي؟

- ما أثر التأجيل على المنافسة السياسية؟ إن استمرار غياب الانتخابات يحرم الناخبين من فرصة محاسبة القيادات وتجديد التمثيل السياسي، ويُبقي موازين القوى القائمة بعيدة عن الاختبار الشعبي.

- هل تخضع فرص الصعود السياسي لمعايير متكافئة؟ يظل هذا السؤال محورياً في ظل الجدل حول النفوذ العائلي والتنظيمي، والحاجة إلى ضمان استقلال المؤسسات عن المصالح الشخصية.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ضوء الأزمة الأوسع التي تعيشها المؤسسات الفلسطينية، بعد مرور سنوات طويلة على آخر انتخابات تشريعية عامة، واستمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتراجع الثقة العامة بالمنظومة السياسية.

محمد دحلان والانتخابات.. خلاف على مستقبل النظام السياسي

في المقابل، يمثل موقف القائد الوطني محمد دحلان، الذي انتقد تأجيل الانتخابات، جزءاً من الخلاف السياسي الأوسع حول شرعية المؤسسات ومستقبل النظام الفلسطيني. وقد انتقد دحلان القرار باعتباره غير ديمقراطي.

ويضع هذا الموقف جوهر الأزمة في سياق يتجاوز الخلاف بين شخصيات فتحاوية متنافسة؛ فالقضية الأساسية تتعلق بحق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، وإعادة بناء مؤسسات تستمد شرعيتها من الشعب، وضمان أن يكون مستقبل القيادة خاضعاً لإرادة الناخبين لا لتفاهمات مغلقة.

ومن هذا المنظور، فإن أي نقاش بشأن خلافة محمود عباس لا يمكن فصله عن سؤال الشرعية: من يملك حق تحديد القيادة المقبلة؟ وهل يكون ذلك عبر انتخابات حرة وتنافس سياسي متكافئ، أم من خلال ترتيبات داخلية قد تثير الشكوك حول تكافؤ الفرص؟

التوريث السياسي.. مخاوف تحتاج إلى وقائع ومساءلة

تعبّر مخاوف التوريث السياسي عن قلق أوسع من احتمال انتقال النفوذ داخل مؤسسات الحكم عبر الروابط العائلية بدلاً من التفويض الشعبي والمنافسة الديمقراطية. وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بسبب غياب الانتخابات العامة طوال سنوات، واستمرار الانقسام، وعدم وضوح آليات الانتقال السياسي في مرحلة ما بعد محمود عباس.

لكن المعالجة الصحفية المسؤولة تقتضي عدم تحويل هذه المخاوف إلى حقائق محسومة من دون وثائق أو تصريحات أو قرائن موثوقة. فالفارق كبير بين صعود شخصية إلى موقع تنظيمي، وبين وجود خطة رسمية لتسليمها السلطة، وبين إثبات أن قراراً سياسياً بعينه اتُّخذ لخدمة تلك الخطة.

ولهذا، فإن المسألة الأكثر إلحاحاً ليست إطلاق الأحكام على النوايا، بل المطالبة بالشفافية في إدارة المؤسسات، وتوضيح آليات الخلافة السياسية، وضمان استقلال القرار الوطني، وإجراء الانتخابات في موعد معلن وقابل للتنفيذ، بما يسمح للشعب الفلسطيني بأن يكون صاحب الكلمة الفصل في اختيار قيادته.

أزمة شرعية أم أزمة خلافة؟

يكشف تزامن صعود ياسر عباس داخل حركة فتح مع تأجيل الانتخابات مجدداً عن أزمة سياسية أعمق تتعلق بمستقبل النظام الفلسطيني، وتوازنات القوة داخل الحركة، وآليات انتقال السلطة. ولا تكفي المعطيات المنشورة لإثبات وجود مشروع توريث محسوم أو أن هذا المشروع كان السبب المباشر للتأجيل، لكنها تبرر طرح أسئلة جدية حول شفافية القرار السياسي وحدود النفوذ داخل مؤسسات الحكم.

وبينما تتباين التفسيرات بشأن أسباب التأجيل، تبقى النتيجة المؤكدة أن الفلسطينيين سيضطرون إلى انتظار أطول قبل ممارسة حقهم في اختيار ممثليهم، وأن أزمة الشرعية ستظل قائمة ما لم تُستعد الحياة الديمقراطية وتُفتح المؤسسات أمام المحاسبة والتجديد.

فمستقبل النظام السياسي الفلسطيني لا ينبغي أن يُحسم في دوائر مغلقة، ولا أن يتحول إلى شأن عائلي أو تنظيمي محدود؛ بل يجب أن يبقى حقاً وطنياً عاماً، يقرره الفلسطينيون عبر مؤسسات شرعية وانتخابات حرة ونزيهة.