أجّلوا المأساة لا إرادة فلسطين
نشر بتاريخ: 2026/10/14 (آخر تحديث: 2026/10/14 الساعة: 17:06)

​في فلسطين، لا ينتظر الموت موعدًا، ولا يستأذن القصف أحدًا، ولا تُؤجَّل جنازات الأطفال حتى تستقر الظروف.

وحدها الانتخابات تُطالب بالانتظار، وكأن الشعب الذي يواجه الفناء لا يزال مطالبًا بإثبات أهليته لاختيار من يحكمه. إنها مفارقة سياسية موجعة: تستمر المأساة بلا انقطاع، بينما تتعثر مواعيد المحاسبة وتجديد الشرعية، ويُستدعى المستقبل لتبرير استمرار الحاضر.

لقد أُنهك الفلسطينيون من الوعود التي تتجدد دون أن تتحقق، حتى أصبح الزمن السياسي نفسه موضع نزاع. تتغير المواعيد، وتتبدل التبريرات، وتبقى الأجيال الجديدة خارج دائرة الاختيار. وليس الخلل في تأجيل استحقاق انتخابي فحسب، وإنما في اعتياد إدارة الشرعية بالتأجيل، حتى تصبح الانتخابات حدثًا استثنائيًا، واستمرار المسؤولين هو القاعدة، والمساءلة حقًا معلقًا على ظروف لا يملك الشعب تحديدها.

ما يستحق التأجيل في فلسطين ليس صوت الناخب، بل القتل الذي يطارد أبناء غزة، والدمار الذي يبتلع عمرانها، والجوع الذي يحاصر أطفالها، والمرض الذي ينهش أجساد النازحين، واليأس الذي يغتال أحلام الشباب. وما ينبغي وقفه هو الاستيطان والاعتقال والتهجير، وتفكك البيت الفلسطيني، والتنافس على المناصب والامتيازات. فالشعب الذي حُرم الأمن لا ينبغي أن يُحرم أيضًا القدرة على مساءلة من يتولون شؤونه.

إن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل مسؤولية سياساته العسكرية والاستيطانية وما ترتب عليها من مآسٍ إنسانية جسيمة. غير أن هذه المسؤولية لا تُسقط واجب القيادات الفلسطينية في مواجهة أزمتها الداخلية.

فالانقسام ليس مجرد خلاف بين فصيلين؛ إنه انقسام في المرجعية والقرار والمؤسسات، تتولد عنه مراكز نفوذ متنافسة، وتتراجع معه الرقابة على الموارد والتعيينات والمساعدات. وحين تغيب المحاسبة، تتسع فرص المحاصصة، ويصبح القرب من مراكز السلطة أحيانًا أرجح من الكفاءة والاستحقاق.

ولا تُبنى الدولة بشرعية تاريخية تستغني عن التفويض الشعبي. فالنضال يمنح أصحابه مكانتهم في الذاكرة الوطنية، لكنه لا يمنحهم ملكية المستقبل. والتضحيات ليست صكًا مفتوحًا للحكم، كما أن المقاومة لا تعفي أي فصيل من المساءلة عن خياراته وآثارها. فلسطين ليست حصة تتقاسمها سلطات الأمر الواقع، ولا ميراثًا سياسيًا تتوارثه القيادات؛ إنها وطن لشعب يملك وحده حق اختيار ممثليه.

وفي الفراغ الذي يخلّفه تعطيل المؤسسات، تتقدم شبكات المصالح والتنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود، وتتداخل الحسابات الفلسطينية مع مصالح قوى إقليمية، من طهران إلى عواصم أخرى. والخطر هنا ليس في العلاقات الخارجية بذاتها، بل في أن يصبح القرار الوطني تابعًا لمصالح لا يحددها الفلسطينيون. كما أن إدارة الإغاثة والإعمار، إذا غابت عنها الشفافية، يمكن أن تتحول من واجب إنساني إلى مجال للنفوذ السياسي والاقتصادي. فالمأساة التي ينبغي إنهاؤها لا يجوز أن تصبح موردًا دائمًا للمستفيدين من استمرارها.

وليس الاعتراض على التأجيل محصورًا داخل الساحة الفلسطينية. فقد انتقدت فرنسا القرار، وربطت تجديد المؤسسات الديمقراطية بمصداقية مشروع الدولة الفلسطينية. كما أعلن تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، المرتبط بالقيادي محمد دحلان، رفض استمرار إرجاء الانتخابات، في موقف يلتقي مع مطالبات فلسطينية أخرى باستعادة الحياة الدستورية، وإن اختلف أصحابها في تصوراتهم السياسية. وتكشف هذه المواقف سؤالًا لا يمكن تجاوزه: كيف يُطلب من العالم الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، بينما يتعثر تجديد التفويض الشعبي لقيادتها؟

صحيح أن الحرب والاحتلال والانقسام تفرض تحديات أمنية وإجرائية بالغة التعقيد. لكن مسؤولية المؤسسات أن تبحث عن ضمانات عملية لمشاركة القدس وغزة والضفة الغربية والنازحين، وأن تضع جدولًا قابلًا للتنفيذ والمحاسبة. فالظروف الاستثنائية تستوجب حلولًا استثنائية تحمي الحقوق، لا استثناءً دائمًا من ممارستها.

إن فلسطين تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها بقدر حاجتها إلى إعادة إعمار مدنها؛ فإعمار الحجر دون استعادة ثقة الإنسان في مؤسساته يترك الوطن مهددًا بتكرار أزماته. ولا يُقاس نجاح القيادة بقدرتها على إطالة بقائها، بل بقدرتها على بناء نظام سياسي يستمر ويُحاسَب ويتجدد دون أن يتوقف مصير الشعب على بقاء الأشخاص.

لقد دفع الفلسطينيون من دمائهم وأعمارهم ما يكفي. ومن حقهم ألا يُضاف إلى ذلك ثمن الانتظار السياسي.

فليُؤجَّل القتل والجوع والتشريد، ولتتوقف المحاصصة ومصالح المنتفعين من الخراب. أما إرادة الشعب الفلسطيني، فلا ينبغي أن تبقى رهينة وعد جديد. فالحرية التي ينشدها الفلسطينيون من الاحتلال لا تكتمل إلا بحقهم في اختيار من يحكمهم، ومحاسبته، وتغييره بإرادتهم.