من صربيا إلى فلسطين: هل حان وقت كسر الجمود السياسي؟
نشر بتاريخ: 2026/10/26 (آخر تحديث: 2026/10/26 الساعة: 17:12)

لم تكن الانتخابات البرلمانية المبكرة التي شهدتها صربيا في 25 أكتوبر 2026 مجرد منافسة انتخابية بين قوى سياسية تقليدية، بل كشفت عن إمكانية انتقال حركة احتجاجية نشأت خارج الأطر الحزبية إلى موقع المنافسة على السلطة. فقد أقرت قيادة الحزب التقدمي الصربي بقيادة ألكسندر فوتيتش بالخسارة، فيما أظهرت النتائج الأولية تقدم قائمة «الطلاب يفوزون» وحصولها على أغلبية برلمانية وفق التقديرات المعلنة. وجاء هذا التحول بعد نحو عامين من الاحتجاجات التي انطلقت عقب انهيار مظلة محطة قطارات نوفي ساد في نوفمبر 2024، وأسفر عن مقتل 16 شخصًا، قبل أن تتسع لتتحول إلى حركة تطالب بالمحاسبة ومكافحة الفساد وإصلاح المؤسسات.

تكمن أهمية التجربة الصربية في أن الحركة لم تكتف بالتعبير عن الغضب الشعبي، بل انتقلت إلى المنافسة الانتخابية، مستفيدة من اتساع قاعدتها الاجتماعية وقدرتها على طرح مطالب تتجاوز حدود الفئة التي أطلقتها. وهي بذلك تطرح سؤالًا سياسيًا مهمًا: هل يمكن للقوى التي تنشأ خارج الأحزاب التقليدية أن تتحول إلى بدائل مؤثرة عندما تعجز البنى القائمة عن تجديد نفسها أو الاستجابة لتطلعات المجتمع؟

لا تعني هذه التجربة أن الاحتجاجات تقود بالضرورة إلى تغيير سياسي، أو أن نجاح حركة في بلد ما يضمن تكرار نجاحها في بلد آخر. لكنها تؤكد أهمية الانتقال من الاعتراض على الواقع إلى بناء بديل منظم، يمتلك برنامجًا واضحًا، وقاعدة اجتماعية واسعة، وآليات تتيح تحويل التأييد الشعبي إلى مشاركة سياسية فعلية.

الحالة الفلسطينية: حين يتحول الجمود إلى أزمة سياسية

في فلسطين، يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة، في ظل استمرار الانقسام بين فتح وحماس، وتعطل الانتخابات الوطنية سنوات طويلة، وتراجع فرص التجديد داخل النظام السياسي. ولم تعد الأزمة مقتصرة على الخلاف بين الفصائل أو التنافس على مواقع السلطة، بل باتت تتصل بقدرة النظام السياسي على استيعاب قوى جديدة، وتجديد قياداته، واستعادة ثقة المواطنين، وإتاحة المجال أمام المشاركة والمساءلة.

ويزيد من تعقيد المشهد استمرار غياب الانتخابات التشريعية منذ عام 2006، وتعثر محاولات استعادة المسار الديمقراطي. وقد جاء قرار تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر 2026 إلى 11 سبتمبر 2027، وفق ما أعلنته الرئاسة الفلسطينية، ليؤكد استمرار العقبات التي تحول دون تجديد المؤسسات التمثيلية. وبينما ترتبط هذه العقبات بظروف الاحتلال والقيود المفروضة على الفلسطينيين، فإن استمرار تعطيل الانتخابات يظل عاملًا مؤثرًا في أزمة الشرعية وتجديد القيادة.

لكن السؤال الأعمق لا يتعلق فقط بموعد الانتخابات، بل بطبيعة الحياة السياسية التي ستجري في إطارها. فحتى إذا أُجريت الانتخابات، فإن تجديد الوجوه لا يكفي وحده لمعالجة أزمة النظام السياسي، ما لم تتغير القواعد التي تحكم إنتاج القيادة، وتوزيع المسؤوليات، وممارسة المساءلة، وتداول السلطة.

هل يمكن أن يظهر تيار سياسي جديد؟

هنا تبرز أهمية التفكير في بزوغ تيار وطني فلسطيني جديد، لا بوصفه فصيلًا إضافيًا إلى جانب الفصائل القائمة، ولا باعتباره حركة شبابية محصورة في فئة عمرية، بل إطارًا سياسيًا يتجاوز الاصطفافات التقليدية، ويجمع المستقلين والأكاديميين والنقابيين والمهنيين والطاقات الشابة حول مشروع وطني واضح.

ولا تنبع الحاجة إلى مثل هذا التيار من افتراض أن الفصائل التقليدية فقدت حضورها أو أن تجاوزها أمر محسوم، بل من ضرورة فتح المجال أمام التعددية السياسية، وإتاحة الفرصة أمام المجتمع لإنتاج خيارات جديدة. فاستمرار القوى القائمة في صدارة المشهد لا يعني بالضرورة غياب البدائل، لكنه يجعل ظهور أي بديل مرهونًا بقدرته على تجاوز التشرذم، وبناء الثقة، والتحول من خطاب نقدي إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار.

غير أن تأسيس إطار جديد لا يكفي بحد ذاته لكسر الجمود. فالتجارب السياسية المستقلة كثيرًا ما تواجه صعوبات في الانتقال من المبادرات الفردية إلى التنظيم المؤسسي، ومن الشعارات العامة إلى البرامج العملية. ولذلك، فإن أي تيار يسعى إلى إحداث تغيير حقيقي يحتاج إلى آليات ديمقراطية لاختيار قياداته، وبرنامج يحدد مواقفه من التحرر الوطني وإنهاء الانقسام وإصلاح المؤسسات، وقدرة على العمل في مختلف التجمعات الفلسطينية، دون أن يعيد إنتاج أنماط الاحتكار والإقصاء التي ينتقدها.

كما أن خصوصية الحالة الفلسطينية تفرض التعامل بحذر مع المقارنة الصربية. فالاحتلال والانقسام الجغرافي والمؤسسي يضعان قيودًا لا تواجهها الحركات السياسية في الظروف نفسها، ولا يمكن تجاوز هذه الحقائق بمجرد الدعوة إلى التغيير. لكن هذه الخصوصية لا تعني أن الواقع السياسي يجب أن يظل محكومًا بالتوازنات القائمة إلى أجل غير مسمى، أو أن البحث عن بدائل وطنية أصبح أمرًا غير ممكن.

من تغيير الوجوه إلى تغيير قواعد السياسة

إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من التجربة الصربية ليس أن الفلسطينيين بحاجة إلى استنساخ حركة طلابية، بل أن نشوء قوة سياسية خارج الأطر التقليدية يظل احتمالًا يستحق الدراسة عندما تتسع الفجوة بين المجتمع والقوى التي تمثله. وفي فلسطين، لا ينبغي أن يكون الهدف استبدال هيمنة فصائلية بأخرى، وإنما بناء حياة سياسية تسمح بالمنافسة والتعددية، وتجعل الشرعية مرتبطة بالمشاركة الشعبية والمساءلة والقدرة على الإنجاز.

ومن هذا المنطلق، فإن ظهور تيار وطني جديد لن يكون بديلًا عن إنهاء الانقسام أو إصلاح المؤسسات أو استعادة المسار الديمقراطي، بل يمكن أن يسهم في دفع هذه المسارات إذا امتلك مشروعًا جامعًا، وتنظيمًا مستدامًا، واستعدادًا حقيقيًا للاحتكام إلى إرادة المواطنين.

يبقى السؤال الفلسطيني مفتوحًا: هل تستمر الحياة السياسية أسيرة التوازنات الفصائلية القائمة، أم تنشأ قوة وطنية جديدة تستطيع فتح المجال أمام تجديد القيادة وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات؟ لا تقدم التجربة الصربية إجابة جاهزة، لكنها تتيح إعادة التفكير في حدود الممكن السياسي، وفي قدرة المجتمع على إنتاج خيارات تتجاوز ما اعتاد عليه.

فالتغيير الحقيقي لا يبدأ بالضرورة عندما تتبدل القيادات، بل عندما تتغير القواعد التي تنتجها، وتتسع مساحة المشاركة، ويصبح المواطن قادرًا على اختيار ممثليه ومحاسبتهم. وعندها فقط يمكن الحديث عن تجديد سياسي يتجاوز تبديل الوجوه إلى إعادة بناء الحياة السياسية على أسس أكثر تعددية وديمقراطية.