تقرير حقوقي: اتباع نمط خطير من العنف الجنسي في سجون الاحتلال
نشر بتاريخ: 2026/01/21 (آخر تحديث: 2026/01/21 الساعة: 20:26)

نشرت منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية، أمس، تقريرا بعنوان "جهنم على الأرض"، يقدم تحديثا شاملا حول وضع الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل حتى شهر كانون الثاني/يناير الجاري. وأكدت أنه "ينبغي النظر في تحويل السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية إلى شبكة من معسكرات التعذيب بحق الفلسطينيين على ضوء الهجومُ الواسع والمنسقَ الذي يشنه النظام الإسرائيلي ضد المجموع الفلسطيني، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، والذي يبلغ ذروته في الإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل في قطاع غزة".

ولفت التقرير إلى أن "أُسس النظام، التي تشكلت منذ قيامُ دولة إسرائيل والتي بناءً عليها تُتاح الإبادة الجماعية في قطاع غزة، العنف المنفلت والتطهير العرقي في الضفة الغربية والملاحًقات التي يعاني منها الفلسطينيون المواطنون في دولة إسرائيل، هي الأسس نفسها التي تصوغ وتحدّد علاقًة النظامُ الإسرائيلي بالأسرى الفلسطينيين، وفي مقدمتها تجريد الفلسطينيين، كجماعة، من إنسانيتهم ثم ممارسة العنف المتطرف ضدهم".

ويستند هذا التحديث إلى 21 إفادة جمعتها "بتسيلم" من فلسطينيين أُفرِج عنهم في إطار الاتفاق بين إسرائيل وحماس، في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وفي الأشهر التي سبقته. فبسبب التهديدات التي تُوجهَ إليهم، يخشى كثيرون من الأسرى المحرَرين الإدلاء بإفاداتهم حول ظروف الاعتقال القاسية في السجون الإسرائيلية، بعدما هدّدت السلطات الإسرائيلية بإعادة اعتقال الأسرى المحرَرين إنْ تحدّثوا عمّا لاقوه في السجون. وقد أُطلقت هذه التهديدات قبل الإفراج عنهم، وكذلك بعده أيضًا، وهي تشير إلى نهج النظامُ الإسرائيلي في سلب حرية الفلسطينيين كإحدى وسائل القمع المنهجي المُمارَس ضد الشعب الفلسطيني.

وشدد التقرير على أنه "تشكّل الوسائل التي يستخدمها نظامُ الأبارتهايد الإسرائيلي لإسكات الأسرى المحررَين أحد المركّبات في سياسة متعدّدة الأبعاد لنز ع الإنسانية عن المجموع الفلسطيني ونفي إنسانيته – سواء كان ذلك عبر الاعتقال والتعذيب أو عبر الترهيب، القمع السياسي والرقابة".

كما تستند هذه الوثيقة إلى أبحاث وتقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوق الإنسان التي تتابع باستمرار ما يجري في مراكز الاعتقال الإسرائيلية، وكذلك إلى منشورات إخبارية، بيانات مصلحة السجون الإسرائيلية ومواد تضمنتها الالتماسات التي قُدِمَت إلى المحكمة العليا.

ويتبين أنه منذ بداية الحرب على غزة وحتى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025، توفي 84 سجينًا ومعتقلًاً فلسطينيًا، بينهم قاصر واحد، معروفي الهوية، في السجون أو مراكز الاحتجاز الإسرائيلية. وقد نشرت منظمات حقوقية ووسائل إعلامًُ أخرى أرقامًا أكبر من ذلك، حيث بُلّغ عن 94 قتيلًاً الأقل، هويات بعضهم غير معروفة. وحتى نهاية آب/أغسطس 2025، قُتل ستة فلسطينيين على الأقل خلالً التحقيقات معهم لدى جهاز الشاباك.

50 من الأسرى الشهداء كانوا من سكان قطاع غزة، 31 من سكان الضفة الغربية و3 من الفلسطينيين مواطني إسرائيل. وقد أفرجت إسرائيل عن جثامين أربعة من هؤلاء الأسرى فقط، بينما لا تزال تحتجز الجثامين الـ 80 المتبقية. في إطار محاولاتها لإخفاء الجرائم التي يتم ارتكابها في مراكز الاعتقال، تعيق إسرائيل أيضًا، وغالبًا، إجراء عمليات تشريح موثوقة للجثامين بعد الوفاة. وهي تمنع، بذلك، إمكانية استيضاح ومعرفة العوامل والملابًسات التي أدت إلى موت عشرات الأسرى الذين تتحمل إسرائيل المسؤولية عن سلامًتهم وصحتهم.

وتبين إفادات أدلى بها أسرى محررون أنّ هنالك نمطًا خطيرًا من العنف الجنسي في مراكز الاحتجاز والسجون، بدءًا من تهديدات بالاعتداء الجنسي، مرورًا بالتعرية القسرية وانتهاءً باعتداءات جنسية فعلية تشمل الضرب على الأعضاء التناسلية، مما تسبّب بإصابات خطيرة، بما في ذلك هجمات من الكلابً واعتداءات جنسية مشينة باستخدام أدوات مختلفة.

بالإضافة إلى ذلك، تضمنت الإفادات التي عُرضت ضمن تقرير لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، معلومات عن تنكيل جنسي بالقاصرين، صعقات كهربائية على الأعضاء التناسلية وتصوير أشرطة فيديو مُذلّة ذات طابع جنسي، كما عرضٍ تحقيق حديث لشبكة BBC أيضًا إفادات عن أعمال تنكيل جنسي نفّذها سجّانون إسرائيليون ضد أسرى فلسطينيين.

ويتضح من إفادات أسرى أن العنف والاعتداءات الوحشية هي جزء ثابت ودائم من الروتين اليومي في السجون وفي مراكز الاحتجاز: أثناء الاعتقال نفسه، عند الوصول إلى مركز الاحتجاز، عند الخروج والدخول إلى الزنازين، أثناء العدد، خلالً الزيارات النادرة للعيادة، وقبل وبعد جلسات المحاكم.

وفقًا لمعطيات نشرتها منظمة ″أطباء لحقوق الإنسان″، بناء على زيارات قامت بها لـ 349 أسيرًا فلسطينيًا بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و30 حزيران/يونيو 2025، تبين أن 76% من الأسرى الفلسطينيين قد تعرضوا لعنف شديد أثناء الاعتقال، وأن 65% منهم تعرضوا لحادثة عنف شديد واحدة على الأقل داخل مركز الاعتقال وأن 44% منهم عانوا من إصابات أو مشاكل طبية طويلة الأمد بسبب هذا العنف.

حتى أيلول/سبتمبر 2025، كانت إسرائيل تحتجز 350 قاصرًا. ويتبين أن 74% من القاصرين المسجونين تعرضوا للعنف، 26% تعرضوا للتحقيق تحت الضغط و21% تم وضعهم في الحبس الانفرادي لمدُة يومين أو أكثر من أجل الضغط عليهم، في إطار التحقيق. وفي آذار/مارس 2025 استشهد الفتى وليد أحمد (17 عاما) الذي كان محتجَزًا في سجن "مجيدو"، وذلك نتيجة للتجويع ومنع العلاجً الطبي.

من إفادات الأسرى الفلسطينيين، ترتسم صورة من الاستخدامُ المنهجي للإذلال والتنكيل النفسي كوسيلة للتعذيب، الهدف منها هو كسر أرواحهم وتحطيم معنوياتهم. وقد أفاد أسرى محررون بأنه تم تصويرهم وهم عراة، أُجبِروا على ″الاعتذار″ عن جرائم لم يرتكبونها وعلى ترديد ″شعب إسرائيل حيّ″، تلقّيهم إهانات قاسية لهم ولعائلاتًهم، تهديدات بالاعتداء الجسدي والجنسي على أفراد عائلاتًهم. وفي حالات أخرى، وصف أسرى كيف بصق الجنود وتبولوا عليهم. وفي حالات أخرى عديدة تحدث الأسرى عن التنكيل النفسيّ كجزء من محاولة لتجنيدهم عملاءً لإسرائيل.

حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2023، كانت إسرائيل تحتجز في مراكز الاحتجاز التابعة لها 4,935 فلسطينيًا، وحتى أيلول/سبتمبر 2025، تضاعف عددهم إلى 10,863، 1,492 منهم محكومون. وأدت الزيادة الهائلة في عدد الأسرى إلى اكتظاظ غير إنساني في الزنازين، كانت مُصاحِبة لسياسة معلنة بشأن الإساءة المنهجية لظروف احتجازهم. وأُجبِر العديد من الأسرى على النومُ على أرضيات الزنازين، حتى في فصل الشتاء، بل حتى بدون فرشات أو بطانيات، في كثير من الحالات.

وتتحدث إفادات أخرى أدلى بها أسرى فلسطينيون أُطلق سراحهم مؤخرًا عن المكوث في زنازين قذرة، في ظلامًُ دامس أحيانًا، الحرمان من النومُ، تقييد اليدين والقدمين لفترات طويلة، بما في ذلك أثناء الاستحمامُ واستخدامُ المراحيض، الركوع لفترات طويلة وتغطية العينين لفترات طويلة، بل طوال فترة الاعتقال كلها، في بعض الحالات.

في إطار حرمان الأسرى الفلسطينيين من حقوقهم، وكجزء منه، يعمل النظامُ الإسرائيلي لعزلهم عن العالم الخارجي ويمنع مراقبة ظروف احتجازهم. ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، جرى إلغاء زيارات عائلاتً الأسرى تمامًا ومُنِعت إمكانية وصول ممثلي منظمة الصليب الأحمر إلى السجون، رغم أنه من ضمن مهامهم أيضًا مراقبة ظروف احتجاز الأسرى. بالإضافة إلى ذلك، تضع سلطات السجون عقبات أمامُ قدرة الأسرى الفلسطينيين على مقابلة محاميهم، بما في ذلك من خلالً الاستخدامُ المنهجي لـ ″شبهات أمنية″ مزعومة تُوجهَ ضد المحامين أنفسهم وتهدف إلى تبرير منع الزيارات، بل حتى إبعاد المحامين عن السجون لعدة أشهر. وهكذا، فإنّ منع زيارات المحامين، علاوًة على انتهاكه الخطير لحق الأسرى في التمثيل القانوني، يشكّل مسًا جسيمًا أيضًا بقدرة عائلاتً الأسرى على الاطلاعً على أحوال أبنائها ومتابعتها.

وفقًا لتحليل أجرته منظمة ″أطباء لحقوق الإنسان″، ثمة شهادات تفيد بأن منع العلاجً الطبي، إلى جانب ممارسات تعذيب أخرى، يؤدي إلى الموت المنهجي لأسرى فلسطينيين محتجَزين في السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية. وقد أظهرت نتائج عشر عمليات تشريح للجثث بعد الوفاة، أجريت على جثث أسرى فلسطينيين ماتوا أثناء الاحتجاز لدى مصلحة السجون الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، أن 6 من أصل 10 حالات وفاة تم توثيق منع العلاجً الطبي.

في تقرير قدمته عدة منظمات حقوقية إلى لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أشير إلى أن المنظمات سجلت العديد من الحالات التي عانى فيها أسرى فلسطينيون من عواقب طبية غير قابلة للإصلاحً بسبب الحرمان المتعمّد من الرعاية الطبية. وأفاد أطباء عملوا في مستشفى مؤقت أقيم في مركز الاعتقال العسكري ″سديه تيمان″، بحالات بتر أطراف بسبب العنف، التقييد المتواصل، الافتقار إلى الرعاية الطبية المناسبة. وفقًا لهذه الشهادات، كان جميع المرضى في هذا المستشفى مقيدين بأطرافهم الأربعة وأعينهم مغطاة، حتى أثناء تلقيهم العلاجً الطبي. كما منعتهم القيود من الوصول إلى المراحيض وأجبرتهم على قضاء حاجتهم في حفاضات. وفي إفادات أخرى جمعتها منظمة ″بتسيلم″، وُصفت إصابات خطيرة وأمراضٍ مزمنة لم تتم معالجتها، وحتى حالات من بتر الأطراف.

ويواصل المعتقلون والأسرى التعرضٍ للعنف والتنكيل بشكل متكرر، منهجيّ ومنظم – ويشمل، من بين أمور أخرى، الصدمات الكهربائية، استخدامُ قنابل الغاز والقنابل الصوتية، التسبب بحروق من خلالً إطفاء السجائر أو سكب سوائل مغلية على أجسادهم، إطلاقً الرصاص المعدني المغلّف بالمطاط، الضرب بالهراوات وتحريض الكلابً.

والظروف المعيشية الخاصة بالأسرى والمعتقلين لا تزال غير إنسانية، وتشمل الاكتظاظ الشديد، التقييد لفترات طويلة متواصلة ومنع الاتصال بالعالم الخارجي، إضافة إلى التجويع المتعمّد، الطعامُ رديء الجودة والحرمان من الظروف الصحية الأساسية مثل الاستحمامُ، ملابًس للتبديل ومياه الشرب النظيفة. وجناح ″رَكيفت″ في سجن الرملة، الذي يقع تحت الأرضٍ بالكامل، يبرز بشكل خاص بالظروف غير الإنسانية السائدة فيه.

وتشير أدلة أخرى قُدمِت إلى لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إلى أن الأسيرات الفلسطينيات لا يحصلن على منتجات النظافة الصحية النسائية ولا على العلاجًات النسائية، وأن النساء الحوامل أيضًا يُحرمن من علاجًات مشابهة.

بسبب الدمج بين التجويع والغذاء الرديء، الاكتظاظ الشديد، الحرمان من الشروط المعيشية وظروف النظافة الأساسية، الحرمان من العلاجًات الطبية، فقد عانى جميع الأسرى الفلسطينيين تقريبًا من تدهور حالاتهم الصحية خلالً فترات الاحتجاز. أحد الأمثلة البارزة على ذلك هو انتشار وباء الجَرَب في مراكز الاحتجاز، حيث أفادت التقارير في تشرين الأول/أكتوبر 2024 بأنه قد تم تشخيص إصابة رُبع الأسرى الفلسطينيين المحُتجَزين لدى مصلحة السجون الإسرائيلية بمرُض الجَرَب.

ومنع العلاج الطبيعن الأسرى والمعتقلين لا يزال يشكل أسلوب تعذيب في حد ذاته ويؤدي إلى إصابات مستديمة تشمل بتر الأطراف وفقدان السمع والبصر، وحتى الموت. ويبرز، بشكل خاص، انتشار مرضٍ الجرَب الجلدي، الذي لا تتم معالجته بشكل صحيح ويواصل الانتشار في السجون ومراكز الاعتقال.

وفقا لتقرير مصلحة السجون الإسرائيلية، كان يقبع في السجون 10,863 أسيرا فلسطينيا، حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2025. بين هؤلاء الأسرى،

7,425 من سكان الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، 2,931 من سكان قطاع غزة، 507 من عرب الـ48. 3,521 من المحتجَزين الفلسطينيين مصنفَون بأنهم ″معتقلون إداريون″، 1,492 مصنفون بأنهم ″محكومون أمنيون″، 2,623 مصنفون بأنهم ″مقاتلون غير شرعيين″ وهم معتقلون فلسطينيون من قطاع غزة مسجونون دون محاكمة و3,227 مصنفون بأنهم ″معتقلون أمنيون″ وهم فلسطينيون تُنفذَ ضدهم إجراءات قضائية، لكن لم تصدر أحكامُ بحقهم بعد، ومن بين المسجونين الفلسطينيين، هنالك 350 قاصرًا و48 امرأة. والأسرى الفلسطينيون يشمل جميع هذه المجموعات.