اللجنة الإدارية: لجنة عبور مؤقتة أم حصان طروادة جديد..؟!!!
نشر بتاريخ: 2026/01/26 (آخر تحديث: 2026/01/26 الساعة: 20:25)

لا أنظر إلى هيئة التكنوقراط التي شُكِّلت لإدارة غزة من زاوية الأسماء، فالأشخاص — في حدّ ذاتهم — خارج دائرة الاتهام، فكلهم محل تقدير واحترام، إن ما يشغلني ليس الوجوه، بل الوظيفة؛ ليس النيّات، بل المآلات؛ ليس الخطاب المُعلن، بل البنية العميقة التي أنتجت هذه الصيغة وأحاطتها بهذا الإجماع المفاجئ.

ذلك الإجماع، غير المسبوق في التجربة الفلسطينية، من أقصى يمين الطيف السياسي إلى أقصاه، وهو ما لا يمكن المرور عليه بوصفه تفصيلاً عابرًا... إذ متى اتفقت الانقسامات المتجذّرة فجأة، وجب أن نسأل: هل نحن أمام لحظة وعي جماعي نادرة أدركت ضرورة إنقاذ ما تبقى من غزة بأي صيغة ممكنة؟ أم أننا نقف — دون أن نعترف — عند عتبة الإنهاك التاريخي، حيث يصبح القبول هو الاسم الآخر للعجز، ويغدو الترحيب ترجمة صامتة لهزيمة لم يُعلَن عنها رسميًا؟

إن ما يثير القلق ليس اللجنة بوصفها أداة إدارية، بل السياق الذي استُدعيت فيه، والفراغ السياسي الذي جاءت لملئه. فقد وُلدت في لحظة جرى فيها تفريغ الفلسطيني من موقع الفاعل، وإقصاؤه من أي عملية قرار ذات معنى، ليُعاد تعريفه لا كصاحب قضية، بل كموضوع إدارة، لا كجماعة سياسية، بل ككتلة بشرية تحتاج إلى تنظيم، إغاثة، وضبط.

هنا لا يعود السؤال: من يدير غزة؟

بل يصبح: من يملك حق تعريف غزة؟

هل تُعرَّف بوصفها مساحة نضال وحق وتاريخ، أم بوصفها ملفًا إنسانيًا مفتوحًا، يُدار من الخارج، ويُرحَّل سياسيًا إلى أجل غير مسمى؟

الخطر الكامن لا يتمثل في إنقاذ الحياة — فالحياة أولوية لا نقاش فيها — وإنما في أن تتحول الحياة إلى بديل عن المعنى، وأن يصبح البقاء البيولوجي مشروطًا بتعليق الفعل السياسي. عندها لا يكون الحل الإنساني جسرًا نحو السياسة، بل سقفًا يُغلق الأفق، ويُعاد إنتاج السيطرة بوسائل أكثر نعومة، وأقل كلفة، وأكثر قبولًا دوليًا.

ومن هنا يفرض نفسه السؤال الأكثر إزعاجًا:

هل نحن أمام لجنة عبور مؤقتة في زمن الانهيار، أم أمام حصان طروادة جديد، لا يُدخل الجنود هذه المرة، بل يُخرج السياسة من المعركة، ويعيد صياغة القضية الفلسطينية بوصفها أزمة إدارة لا صراع تحرر؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس أن تُدار، بل أن تُدار خارج التاريخ؛ أن تُنقَذ من الموت، لكن تُعزل عن المعنى؛ أن يُطلب من أهلها الصمود بلا أفق، والانتظار بلا وعد، والقبول بلا وكالة.

فالاستعمار لا يعود دائمًا بالدبابات، أحيانًا يعود على هيئة لجان، وأحيانًا يُقنع ضحاياه بأن النجاة المؤقتة تعويض كافٍ عن الحق المؤجل.