في زمن الحرب، حين يتصاعد الدخان من مدننا وتثقل رائحة الفقد تفاصيل الحياة اليومية، وتتحول البيوت والمدارس والجامعات إلى ركام، يبقى الإنسان الفلسطيني متمسكًا بالأمل، مؤمنًا بأن المعرفة أقوى من الدمار، وأن المستقبل يُبنى بالعقول مهما اشتدت العواصف.
ومن قلب هذا الواقع الصعب، جاءت مبادرة «الفارس الشهم 3» لتؤكد أن الأمل لا يموت، من خلال حفل تكريم أوائل طلبة الثانوية العامة على مستوى قطاع غزة تحت عنوان «فوج المستقبل»، والذي أقيم في قاعة فلورنسا بمدينة دير البلح، ضمن البرامج الإنسانية والإغاثية التي تنفذها دولة الإمارات العربية المتحدة دعمًا لأبناء الشعب الفلسطيني.
حضر الحفل ثلة من نواب المجلس التشريعي، وقيادات تيار الإصلاح الديمقراطي، وممثلي عملية الفارس الشهم، إلى جانب أكاديميين وكتاب وإعلاميين ورجال إصلاح ومؤسسات مجتمعية. واستُهلت الفعاليات بتلاوة عطرة من القارئ سمير أبو شتات، أعقبها الوقوف للسلام الوطني الفلسطيني، في مشهد جمع بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على قيم الأخوة العربية.
كان دخول الطلبة المتفوقين في موكب «فوج المستقبل» وهم يرفعون أعلام فلسطين والإمارات لحظة مؤثرة اختصرت معاني المحبة والوفاء. وزادت مقدمتا الحفل، وفاء وتولين عاشور، المشهد جمالًا بحضورهما المميز وثيابهما المطرزة بخارطة الوطن، وبأسلوبهما الراقي الذي منح فقرات الحفل روحًا نابضة بالحياة، وكأن صوتهما يعزف سيمفونية حب لفلسطين والإمارات.
وما يجعل هذا التفوق أكثر قيمة أن هؤلاء الطلبة لم يدرسوا في ظروف طبيعية، بل خاضوا معركة علمية موازية لمعركة البقاء. فقد راجع كثير منهم دروسهم على ضوء الشموع ولمبات الكاز بسبب انقطاع الكهرباء، وعانوا من ضعف الإنترنت وصعوبة الوصول إلى المصادر التعليمية، بينما كانت أصوات الحرب والقصف تحاصر أيامهم ولياليهم. لذلك لم يكن النجاح مجرد نتيجة دراسية، بل انتصارًا للإرادة على القهر، وللأمل على الحرب.
وخلال الاحتفال، استوقفتني سيدة مسنة تجاوزت الستين من عمرها، تتكئ على عكازها وتخفي خلف ابتسامتها سنوات طويلة من الصبر والمعاناة. سألتها عن حالها فقالت: "لدي ابنتان في الجامعة، واليوم أصبح لدي ثلاثة أبناء يواصلون تعليمهم، لكنني لا أستطيع تحمل الرسوم الجامعية وتكاليف المواصلات". ثم أضافت: "نتمنى من دولة الإمارات أن تواصل دعمها لأبنائنا عبر برنامج خاص لمساندة طلبة الجامعات، حتى لا تتوقف أحلامهم عند بوابات الرسوم الدراسية". كانت كلماتها تختصر حكاية آلاف الأسر الفلسطينية التي ترى في التعليم طوق نجاة لأبنائها.
وفي كلمته، رحب الدكتور محمد أربيع "أبو خليل" رئيس لجنة إسناد عملية الفارس الشهم 3 بالحضور، وهنأ الطلبة المتفوقين، ناقلًا تحيات البعثة الإماراتية ومؤكدًا استمرار دعم المسيرة التعليمية. كما هنأ الأستاذ محمد حمدان ممثل وزارة التربية والتعليم الطلبة المتفوقين، مثمنًا جهود دولة الإمارات في دعم قطاع التعليم.
وأضفت فرقة أوتار غزة وفرقة أصايل الوطن للدبكة الشعبية أجواءً وطنية دافئة، امتزج فيها الفن بالهوية والتراث، فيما عبّرت الطالبة ريم عطا الله، الأولى على قطاع غزة في الفرع الأدبي، عن طموحات الطلبة وآمالهم في استكمال مسيرتهم العلمية.
ومن هنا نتوجه بالشكر والتقدير إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، على جهودها الإنسانية المتواصلة في دعم أبناء شعبنا الفلسطيني، وعلى ما تقدمه من مبادرات تسهم في تعزيز صمود الإنسان الفلسطيني وتمسكه بالحياة.
وفي همسات جمعتها من كتاب ونقاد ومتابعين للشأن العام، يتردد اسم محمد دحلان بوصفه أحد أبرز الداعمين للمبادرات الإنسانية والاجتماعية في غزة، حتى وصفه بعضهم بأنه "رئة تضخ الأكسجين في جسد المجتمع الفلسطيني المثخن بالجراح"، لما تمثله هذه المبادرات من سند للأسر والطلبة والمرضى، وعناية إنسانية متواصلة تحفظ كرامة الإنسان الفلسطيني وتمنحه أسباب الصمود.
كما نثمن الجهود الكبيرة التي بذلها الدكتور محمد أربيع "أبو خليل" رئيس لجنة إسناد عملية الفارس الشهم 3، والأخ سامي شلح نائب رئيس اللجنة، والدكتور إيهاب أبو زيد المشرف على البرامج الإنسانية، والأستاذ شريف النيرب رئيس اللجنة الإعلامية، الذين عملوا بروح الفريق الواحد لإنجاح هذا الحفل المميز وإخراجه بصورة تليق بالطلبة المتفوقين وبرسالة الفارس الشهم الإنسانية.
إن إقامة مثل هذه الاحتفالات في زمن الحرب ليست ترفًا اجتماعيًا، بل دعمًا نفسيًا ومعنويًا يعيد ترميم الروح ويتوج سنوات التعب والاجتهاد، ويؤكد للطلبة أن المجتمع ما زال يحتفي بإنجازاتهم رغم الجراح. وفي عيون المحتفى بهم رأيت فرحة الإنجاز وقلق المستقبل معًا، لذلك يبقى الأمل معقودًا على توسيع برامج دعم التعليم الجامعي، ليواصل هؤلاء الشباب طريقهم نحو العلم والمعرفة. فهم حقًا «فوج المستقبل»، والثروة الحقيقية القادرة على بناء فلسطين وصناعة غدٍ أكثر إشراقًا.