سقوط العدالة وانكسار القيم: حين تصبح ازدواجية المعايير سياسة دولية
نشر بتاريخ: 2026/08/13 (آخر تحديث: 2026/08/14 الساعة: 01:08)

 

لم يعد السؤال اليوم: أين يقف القانون الدولي من المأساة الفلسطينية؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما زال القانون الدولي يُطبَّق على الجميع بالمعايير ذاتها؟

نظريا، يفترض النظام الدولي أن يكون القانون فوق القوة، وأن تكون حماية الإنسان مبدأً لا يخضع للعرق أو الدين أو الجغرافيا أو التحالفات السياسية. لكن الواقع، ولا سيما منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، كشف فجوةً واسعة بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية، وأعاد إلى الواجهة واحدة من أخطر أزمات النظام الدولي: ازدواجية المعايير.

شهد قطاع غزة مستويات كارثية من القتل والدمار والنزوح، إلى جانب استهداف واسع للبنية التحتية والمنشآت المدنية، بما فيها المستشفيات والمدارس والجامعات ومراكز الإيواء. وأمام هذه الكارثة الإنسانية، عجز المجتمع الدولي، ومجلس الأمن على وجه الخصوص، عن فرض وقف فعّال للحرب وحماية المدنيين الفلسطينيين من آلة الحرب الصهيوامريكية.

ولم يكن هذا العجز مرتبطًا بغياب القواعد القانونية، بقدر ما ارتبط بضعف الإرادة السياسية لدى الدول الكبرى، وبالقدرة على استخدام أدوات النفوذ السياسي والدبلوماسي، وفي مقدمتها حق النقض، بما جعل تطبيق القانون الدولي يبدو في كثير من الأحيان انتقائيًا وخاضعًا لموازين القوة.

وتتوالى التقارير والشهادات بشأن ظروف احتجاز الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وما يقوم بة الاحتلال الإسرائيلي من ممارسات تشمل التعذيب وسوء المعاملة والإذلال والعنف الجسدي والنفسي، إضافة إلى اعتداءات خطيرة تتعلق بالعنف الجنسي.

ومثل هذه الاعتداءات، مهما كانت هوية مرتكبيها، تستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة، لأن احترام كرامة الإنسان لا ينبغي أن يكون خاضعًا للسياسة أو التحالفات. فالصمت عن الانتهاكات لا يقل خطورة عن الانتهاكات نفسها عندما يتحول إلى وسيلة للإفلات من المساءلة.

كما أثارت شهادات متضامنين دوليين شاركوا في مبادرات إنسانية مرتبطة بغزة، بينهم أستراليون وأستراليات، تساؤلات جدية حول ظروف الاحتجاز والمعاملة التي تعرضوا لها. ومع الاعتدات المتعلقة بالتعذيب والاغتصاب و سوء المعاملة، فإن الأمر لا يتعلق بانتهاك فردي فحسب، بل باختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على حماية الإنسان، بصرف النظر عن جنسيته.

فالدول تتحرك أساسًا وفق حسابات القوة والمصلحة، بينما تأتي المبادئ والقيم في مرتبة لاحقة.

غير أن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه السياسة إلى مبرر دائم للتغاضي عن الانتهاكات. فحين تُفرض العقوبات وتُفعّل آليات العدالة الدولية بسرعة في أزمات معينة، بينما يُنظر ببطء أو صمت إلى انتهاكات مماثلة في أزمات أخرى، تتآكل الثقة بالقانون الدولي، وتفقد المؤسسات الدولية جزءًا أساسيًا من شرعيتها الأخلاقية.

إن المأساة الفلسطينية لا تكشف حجم المعاناة الإنسانية فحسب، بل تكشف أيضًا أزمة أعمق في بنية النظام الدولي. فالقانون الذي يُطبَّق على طرف ويُستثنى منه طرف آخر يفقد قوته الأخلاقية والقانونية، والعدالة التي تتغير مع تغيّر هوية الضحية لا يمكن أن تكون عدالة حقيقية.

إن العالم اليوم أمام اختبار تاريخي: إما أن تكون حقوق الإنسان حقًا عالميًا لا يتجزأ، وإما أن تبقى مجرد شعار يُستخدم عندما تتوافق نتائجه مع مصالح الأقوياء.

ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للقانون الدولي لا تتطلب مزيدًا من البيانات والخطابات، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وآليات مساءلة مستقلة، ومعايير واحدة تُطبَّق على الجميع. فبدون ذلك، سيبقى النظام الدولي أسيرًا لمعادلة خطيرة القوة تحمي القوي والقانون يطبّق على الضعفاء.