الضفة الغربية بين الإدارة العسكرية والضم الفعلي
نشر بتاريخ: 2026/08/24 (آخر تحديث: 2026/08/24 الساعة: 19:57)

لم تعد قضية الضفة الغربية تقتصر على استمرار الاحتلال العسكري، بل باتت تتعلق بطبيعة الإجراءات الإسرائيلية التي تعيد تشكيل الواقع القانوني والإداري على الأرض. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل يمثل نقل صلاحيات إنفاذ القانون من المؤسسة العسكرية إلى الأجهزة المدنية الإسرائيلية مجرد إجراء إداري، أم أنه خطوة باتجاه فرض السيادة والضم الفعلي؟

منذ حزيران/يونيو 1967، تخضع الضفة الغربية، بما فيها المنطقة «ج»، لنظام الإدارة العسكرية الإسرائيلية. ويملك القائد العسكري، وفق منظومة الأوامر العسكرية، صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية في المنطقة، مع استمرار العمل بجزء من القوانين المحلية السابقة، ولا سيما القوانين العثمانية والأردنية، ما لم تُلغَ أو تُعدّل بأوامر عسكرية.

وفي المقابل، يتمتع المستوطنون الإسرائيليون بوضع قانوني مختلف؛ إذ تُطبّق عليهم أجزاء واسعة من التشريعات الإسرائيلية المدنية والجنائية من خلال آليات قانونية وأوامر عسكرية خاصة، الأمر الذي أسهم على مدى عقود في ترسيخ نظام قانوني مزدوج داخل المنطقة نفسها.

أما الفلسطينيون، فيخضعون بدرجة كبيرة للأوامر العسكرية الإسرائيلية، إلى جانب القوانين المحلية النافذة، ويُحاكمون أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية في العديد من القضايا.

وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة.

فإن نقل صلاحيات واسعة في مجال إنفاذ القانون من الجيش إلى أجهزة مدنية إسرائيلية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تغيير في الجهة المنفذة للقانون؛ لأنه يطرح سؤالًا جوهريًا حول مصدر الصلاحية القانونية وطبيعة العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والأرض التي لم تعلن إسرائيل رسميًا ضمها بصورة شاملة.

فالضم لا يبدأ بالضرورة بمرسوم سياسي واضح؛ فقد يبدأ تدريجيًا عبر إعادة هندسة الإدارة، وتوسيع الاختصاصات المدنية، ودمج المستوطنات في المنظومة القانونية والإدارية للدولة، بحيث يصبح الواقع على الأرض أكثر قربًا من واقع السيادة، حتى قبل صدور إعلان رسمي.

وهذا هو مفهوم الضم الفعلي: تغيير طبيعة السيطرة والإدارة بصورة تجعل الاحتلال يبدو وكأنه جزء دائم من النظام السيادي للدولة.

أما على المستوى الدولي، فتعتبر غالبية الدول والمنظمات الدولية الضفة الغربية أرضًا فلسطينية محتلة، وترفض الاعتراف بأي خطوات تهدف إلى تغيير وضعها القانوني بصورة أحادية. كما أكدت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024، عدم مشروعية استمرار الاحتلال الإسرائيلي والسياسات المرتبطة به وفق القانون الدولي.

في المقابل، ترفض إسرائيل هذا التوصيف، وتطرح الضفة الغربية باعتبارها «أراضي متنازعًا عليها»، مستندة إلى اعتبارات تاريخية وقانونية وسياسية.

لكن بعيدًا عن السجال السياسي، تبقى الحقيقة الأهم أن تغيير طبيعة الإدارة على الأرض قد يكون أكثر خطورة من الإعلان نفسه. فحين تنتقل الصلاحيات تدريجيًا من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات الدولة المدنية، فإن السؤال لا يعود فقط: هل أعلنت إسرائيل الضم؟ بل يصبح: هل يجري تنفيذ الضم عمليًا قبل الإعلان عنه؟

إن مستقبل الضفة الغربية لا يُحسم بالتصريحات وحدها، وإنما بما يجري على الأرض من تغييرات في القوانين والصلاحيات والإدارة. ولذلك فإن أي خطوة باتجاه توسيع الاختصاص المدني الإسرائيلي يجب أن تُقرأ بعناية، لأنها قد تكون جزءًا من مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القانوني والسياسي للضفة الغربية.

فالضم، في جوهره، ليس كلمة تُقال، بل واقع يُبنى تدريجيًا.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على حدود الأرض، بل على هويتها القانونية ومستقبلها السياسي.