طغيان البحر
نشر بتاريخ: 2026/09/03 (آخر تحديث: 2026/09/04 الساعة: 01:57)

كان هديره مسموعاً لدرجة إيقاظي من سُباتي منتصف تلك الليلة..

ارتديت ملابس الصلاة... عباءة النزوح

لابد أن هناك جللاً عظيماً!

وصلته

وقفت أمامه

ما بك أيها البحر...؟

وإذ بالأمواج تتصادم وتثور، تعلو غضباً

تراجعت خطوات...

إنها المرة الأولى التي أشهد بها ثورة البحر

اجتاح المكان عاصفةٌ هوجاء، حوّلت السماء الزرقاء إلى كابوسٍ داكن ومزمجرٍ بالأغوار

اختلطت مشاعري فصرخت بغضبٍ يفوق غضبه

ما خطبك ولماذا هذا الطغيان...؟

قال: ضقت بأهلي.

ضقت من خيامهم على شاطئي

ومن أطفالهم الذين ناموا في بردتي

ومن عالم أعمى... وحكام صم

فثُرت.

لأن الصخور صارت أرحم من البشر

ولأن الغرق في الماء أهون من الغرق في النسيان

عندها زفرتُ وجعاً

وفهمت.

لم يثر البحر على صخره

ولم تغضب السماء على غيمها

لقد ضاق البحر بأهله.

ضاق من خيامنا التي امتدت على شطآنه كجرح مفتوح

ضاق من أطفالنا الذين ناموا على رمله وبردوا

ضاق من صراخ الأمهات

الذي اختلط بملحه فصار زعافاً

ضاق من صمتٍ

ضاق من ضميرٍ ميتٍ

ضاق من وعودٍ كاذبة

ومن سنواتٍ عابرة

ومن خيامٍ مهترئة

ومن أحلامٍ معدومة

ومن ضحكاتٍ مؤجلة

ومن براءةٍ مقتولة....

انتفض.

انتفض من أجل دماء الأطفال وصرخات الأمهات وقهر الرجال.

انتفض لأن العالم أصم... يرى الموت بثاً مباشراً ويقلب القناة..

انتفض لأننا صرنا أرقاماً في نشرة الأخبار... لا أرواحاً

صرخ البحر: كفى!

وزأرت السماء: ألا يكفيكم...؟

حتى الطبيعة التي لا تنطق... نطقت غضباً

لأننا نحن البشر سكتنا كثيراً.

فعدت إلى خيمتي...

وفي قلبي يقين

أن من أغضب البحر والسماء معاً

قادر أن يغضب الدنيا كلها...

حتى ينصفنا.

هكذا يبدأ المخاض حين تضيق الأرض بما رحبت، ولا يعود الصمت ممكناً.

ليس غريباً أن يثور البحر، فالطبيعة أصدق تعبيراً عن الوجع الإنساني إذا ما استبدّ الظلام.