Е1؛ نبني اليوم، ونغلق الطريق أمام الحلّ غداً فما الذي تغيّر الآن؟
نشر بتاريخ: 2026/09/08 (آخر تحديث: 2026/09/08 الساعة: 19:20)

• E1 (East 1) هي إحدى أكثر المناطق حساسيةً وإثارةً للجدل في الضفة الغربية؛ تبلغ مساحتها نحو 12 كيلومتراً مربعاً، وتمتد غربي "معاليه أدوميم"، في المنطقة الواقعة بينها وبين القدس. وتقع المنطقة ضمن نطاق نفوذ "معاليه أدوميم"، لكنها بقيت، في معظمها، مفتوحة وغير مبنية، باستثناء مقر لواء "يهودا والسامرة" التابع للشرطة الإسرائيلية الذي أقيم فيها. وأعلنت إسرائيل معظم الأراضي "أراضي دولة"، وصودرت أجزاء أُخرى في سبعينيات القرن الماضي لأغراض تطوير "معاليه أدوميم"، ولا تزال توجد داخل المنطقة جيوب من الأراضي الفلسطينية الخاصة، وهي غير مشمولة في مخططات البناء.

• تنبع أهمية المنطقة E1، قبل كل شيء، من موقعها؛ فهي تقع شرقي القدس، بالقرب من الطريق رقم 1 التي تربط القدس بالبحر الميت، وتربط أيضاً القدس بـ"معاليه أدوميم". وتسعى إسرائيل من خلالها لتعزيز سيطرتها على المنطقة الواقعة بين القدس و"معاليه أدوميم"، وعلى المجال الممتد شرقي العاصمة، الذي تعتبره مهماً لأمنها؛ وفي المقابل، يرى الفلسطينيون والمجتمع الدولي أن هذه المنطقة تشكل عنصراً مهماً للتواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وربط القدس الشرقية بأراضي دولة فلسطينية مستقبلية؛ والموقع الاستراتيجي لمنطقةE1 جعل البناء فيها، على مرّ الزمن، محوراً لخلاف سياسي بين إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبا ودول عربية.

• بدأ التخطيط الإسرائيلي في منطقة E1 خلال تسعينيات القرن الماضي، بهدف توسيع مستوطنة "معاليه أدوميم" غرباً. وعلى مرّ السنين، دفعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بمخططات في المنطقة، وجمّدت بعضها وأعادت إحياءها، ونقلتها عبر مراحل تخطيطية متعددة، لكنها توقفت قبل مرحلة طرح المناقصات لبناء الوحدات السكنية، بسبب المعارضة والضغوط الأميركية والأوروبية، من بين أسباب أُخرى. وقبل نحو عام، تمت المصادقة على مخططين يشملان 3401 وحدة سكنية، وفي آب/ أغسطس 2026، نشرت وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية، لأول مرة، مناقصة لبناء 1234 وحدة.

• ومع ذلك، لا يعني نشر المناقصة أن البناء بدأ، لقد حُدّد الموعد النهائي لتقديم العروض في 19 تشرين الأول/أكتوبر، أي قبل أسبوع واحد فقط من الانتخابات، وبعد ذلك، سيكون هناك حاجة إلى مراحل إضافية قبل البدء بالبناء. تتمثل الأهمية الفورية للخطوة في اجتياز العتبة التي امتنعت الحكومات السابقة من تجاوُزها: الانتقال من مخطط تمت المصادقة عليه إلى إجراء مناقصة، وهو ما يقرّب البناء من مرحلة التنفيذ.

المعارضة الدولية

• أثار نشر المناقصة للبناء في E1 معارضة دولية حادة، إذ دانَ أكثر من عشرين دولة غربية، إلى جانب المفوضية الأوروبية، الخطوة، ودعت إسرائيل إلى التراجع عنها، وفي الوقت نفسه، أصدر كلٌّ من مصر والأردن وتركيا وباكستان بيان إدانة منفصلاً؛ أمّا الولايات المتحدة، فامتنعت من إدانة المناقصة بشكل مباشر، لكنها جددت معارضتها المبدئية لأيّ ضم إسرائيلي للضفة الغربية، وأكدت أن استقرار الضفة يخدم أمن إسرائيل وأهداف الإدارة الأميركية في المنطقة.

• إن اتساع نطاق المعارضة يعكس الأهمية الدولية التي تُمنح للمنطقة E1. فمن وجهة نظر المجتمع الدولي، لا تمثل E1 مجرد خلاف إضافي على البناء في المستوطنات، بل تُعتبر نقطة اختبار رئيسية لإمكان تحقيق حلّ الدولتين.

• وتتمحور التصريحات حول تأثير البناء في المنطقة E1 في التواصل الجغرافي الفلسطيني والعلاقة بين القدس الشرقية وبقية الضفة الغربية. وتحذّر الدول الغربية من أن يؤدي البناء إلى وضع "خنجر"، أو "وتد"، من شأنه الإضرار بالتواصل الجغرافي بين الأراضي الفلسطينية؛ أمّا الدول العربية، إلى جانب تركيا وباكستان، فتضيف إلى ذلك المساس بالعلاقة بين الضفة الغربية والقدس الشرقية، عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية، وفق حدود 1967.

• وفي الوقت نفسه، هناك اعتراض قانوني مبدئي على سياسة الاستيطان نفسها؛ إذ تؤكد التصريحات أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي، ولقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. وتتعامل الدول العربية مع المنطقةE1 ، باعتبارها جزءاً من سياسة أوسع للضم غير القانوني، بما يضرّ أيضاً بالحق الفلسطيني في تقرير المصير ويهدد، ليس فقط حلّ الدولتين، بل الاستقرار والأمن الإقليميَّين أيضاً.

• كذلك يرتبط الاعتراض على البناء في المنطقة E1بالوضع في الضفة الغربية عموماً. وتشير الدول الغربية إلى أن الخطوة ربما تؤدي إلى تفاقُم "حالة عدم الاستقرار الخطِرة في الضفة"، في ظل "مستويات غير مسبوقة" من عنف المستوطنين و"قيود شديدة" على الاقتصاد الفلسطيني؛ كذلك دانت الدول الإقليمية "عنف المستوطنين ضد الشعب الفلسطيني وأملاكه"، والذي تقول إنه يحدث "بدعم من سلطات الاحتلال الإسرائيلية".

• ولا تبقى المعارضة في إطار التصريحات فقط، بل ترافقها أيضاً تهديدات باتخاذ خطوات عملية؛ إذ دعت الدول الغربية الشركات التجارية إلى عدم المشاركة في المناقصة، وحذّرت من تداعيات قانونية، ومن الإضرار بالسمعة، بما في ذلك خطر التورط في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. وأعربت الدول العربية عن دعمها اتخاذ خطوات دولية، بما في ذلك فرض عقوبات على الأفراد والجهات المسؤولة عن النشاطات غير القانونية المرتبطة بالمستوطنات، أو المساعِدة لها، ودعت أيضاً إلى وقف الدعم والتمويل المقدم لها، وطلبت من مجلس الأمن والدول والجهات الدولية اتخاذ خطوات عاجلة وفعالة لوقف الخطوة والحفاظ على إمكان إقامة دولة فلسطينية.

لماذا تُعتبر المنطقة E1 مهمة بالنسبة إلى إسرائيل؟

• من وجهة النظر الإسرائيلية، تنبع أهمية المنطقة E1 من موقعها الاستراتيجي بين القدس و"معاليه أدوميم"، ضمن الحزام الشرقي للعاصمة، وعلى المحور المؤدي إلى البحر الميت ووادي الأردن. ويهدف البناء فيها إلى تعزيز "معاليه أدوميم" وعلاقتها بالقدس، وترسيخ مكانتها، باعتبارها جزءاً من المنطقة التي تسعى إسرائيل لإبقائها تحت سيادتها في أيّ تسوية مستقبلية. ويستند ذلك إلى مصلحة أمنية في الحفاظ على حرية الحركة في الحزام الشرقي للقدس والمحور المؤدي إلى البحر الميت ووادي الأردن. ومن وجهة نظر إسرائيل، لا يتعلق الأمر بإقامة مستوطنة جديدة ومعزولة، بل بتطوير منطقة ملاصقة لمستوطنة "معاليه أدوميم"، وتقع ضمن نطاق نفوذها، بهدف خلق تواصُل عمراني بين "معاليه أدوميم" والقدس. وفي الوقت نفسه، يهدف البناء إلى الحدّ من توسُّع البناء الفلسطيني في المنطقة C وترسيخ التواصل الفلسطيني بين القدس و"معاليه أدوميم"، الأمر الذي يقلص قدرة إسرائيل على التأثير في تشكيل المنطقة مستقبلاً.

• لكن الحكومة الحالية تمنح هذه الاعتبارات هدفاً مختلفاً؛ فوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، المسؤول عن إدارة الاستيطان في وزارة الدفاع، يعرض المنطقة E1 باعتبارها أداةً تهدف إلى "دفن فكرة الدولة الفلسطينية"، وبذلك يعيد تعريف الغاية السياسية من البناء. فلم تعُد المنطقة E1 تُعتبر ورقة تسعى إسرائيل للاحتفاظ بها، تحسّباً لتسوية سياسية مستقبلية، بل كأداة تهدف إلى تثبيت السيطرة على الأرض ومنع مثل هذه التسوية. ووفقاً لسموتريتش، تندرج E1 ضمن "خطة السيادة بحكم الأمر الواقع" لتوسيع الاستيطان، وتسوية أوضاع البؤر الاستيطانية، وفرض السيادة، على الأقل، على المنطقة (ج).

ماذا الذي يغيّر المنطقة E1 فعلياً؟

• عملياً، لن يؤدي البناء في المنطقة E1 إلى "شق الضفة إلى نصفين"، ولن يجعل قيام دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً بحد ذاته، فهذه المنطقة ليست ممر العبور الوحيد بين شمال الضفة وجنوبها، وهناك حلول للنقل والحركة بين رام الله والقدس الشرقية وبيت لحم. وحتى اليوم، يمرّ جزء من حركة المرور بين منطقة رام الله وبيت لحم عبر طريق يتجنب القدس، من خلال العيزرية وأبو ديس ووادي النار، وليس عبر E1. وعلى مر السنين، نوقشت أيضاً بدائل أُخرى من التنقل تتيح الربط بين جزأي الضفة الغربية.

• لكن التواصل المروري لا يساوي التواصل السيادي؛ فإمكان السفر من رام الله إلى بيت لحم لا يعادل وجود سيطرة فلسطينية متصلة على المنطقة، وعلى البنى التحتية التي تربط بينها. وسيؤدي البناء إلى توسيع الوجود الإسرائيلي وتقليص المساحة المتاحة للتواصل الفلسطيني. وعلى المستوى المحلي، سيجعل هذا الأمر الوصول إلى الأراضي الفلسطينية الخاصة ومناطق الرعي التابعة للمجتمعات البدوية أكثر صعوبةً، وسيحدّ من إمكانات توسّع الأحياء العربية في القدس الشرقية، وسيزيد الاعتماد على طرق وبنى تحتية تخضع للسيطرة الإسرائيلية.

• في المقابل، الادّعاء أن البناء في المنطقة E1 سيقضي على حلّ الدولتين هو أيضاً مبالغة؛ فالوجود الإسرائيلي لا يتناقض بالضرورة مع إمكان نشوء واقع يقوم على دولتين. وحتى إذا نفِّذ المخطط، فمن حيث المبدأ، يمكن رسم حدود مستقبلية. وهناك نماذج تسوية الوضع النهائي التي نوقشت سابقاً، بما في ذلك معايير كلينتون في سنة 2000، ومحادثات طابا في سنة 2001، وعرض أولمرت في سنة 2008، نوقشت فيها إمكانات بقاء "معاليه أدوميم" تحت السيادة الإسرائيلية في إطار تعديلات حدودية وتبادُل للأراضي.

• ومن وجهة النظر الإسرائيلية أيضاً، يجب التمييز بين أهمية المنطقة وبين الحاجة إلى تنفيذ البناء فيها؛ فالاعتبارات الإسرائيلية تفسّر أهمية E1، لكنها لا تفرض بحد ذاتها ضرورة البناء فيها، وبالتأكيد ليس في التوقيت الحالي. وسيؤدي البناء إلى تعميق الوجود الإسرائيلي في شرقي المدينة، وتعزيز العلاقة والوصل بين "معاليه أدوميم" والقدس، لكنه لن يُنشئ تواصلاً عمرانياً كاملاً بينهما. وستبقى في المنطقة بلدات فلسطينية، من بينها عناتا والزعيم وأبو ديس والعيزرية. كما أن الرغبة في إبقاء "معاليه أدوميم" تحت السيادة الإسرائيلية لا تتطلب البناء في المنطقةE1 ؛ فطوال أعوام، حافظت إسرائيل على حرية عملها، وعلى مصالحها الأمنية في المنطقة، من دون تنفيذ خطة البناء فيها.

الإسقاطات الاستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل

• إن الخلافات بشأن البناء في المنطقة E1 تُظهر الفجوة بين المكسب الإقليمي الذي تنسبه إسرائيل إلى الخطوة وبين فائدتها الاستراتيجية. وتبرز هذه الفجوة بشكل خاص في التوقيت الحالي. لقد اختارت الحكومة الدفع بالبناء فيE1 على الرغم من أن الحكومة المقبلة ستحسم مواصلة العملية. وفي هذه المرحلة، تتمثل فائدته الأساسية في الجانب السياسي في أنه يتيح للحكومة تسجيل إنجاز قبل الانتخابات ورفع التكلفة السياسية للتراجع عنه بعدها.

• وتوضح الخطوة أن إسرائيل توقفت عن التفكير سياسياً، وأن تحركاتها باتت تهدف إلى فرض وقائع على الأرض، من شأنها تحييد إمكان الانفصال الإقليمي والديموغرافي عن الفلسطينيين مستقبلاً، لكنها بذلك لا تحلّ القضية الفلسطينية، بل تعمّق التزامها تجاهها ومسؤوليتها عن الواقع الذي سيبقى على الأرض. وستظل إسرائيل مطالَبة بالتعامل مع أسئلة لا يحلّها البناء في المنطقة E1: كيف يمكن أن تستمر السيطرة الإسرائيلية في المدى الطويل إلى جانب عدد كبير من السكان الفلسطينيين؟ ومَن سيتحمل مسؤولية العبء المدني والاقتصادي الفلسطيني؟ وماذا سيحدث في حال انهيار السلطة الفلسطينية؟ لذلك، إذا كان البناء في المنطقة E1 جزءاً من سياسةٍ هدفها المعلن هو "دفن" إمكان إقامة دولة فلسطينية، فإن إسرائيل مطالَبة بتحديد ما الذي يجب أن يحلّ محلها. إن منع حلّ واحد ليس استراتيجيا بحد ذاته.

• فحقيقة أن الحكومات الإسرائيلية أولت البناء في المنطقة E1 أهمية على مدى عقود، ومع ذلك، اختارت عدم تنفيذه، تدلّ على أن القرار بشأنه لم يكن يوماً مسألة إقليمية فقط، بل كان سياسياً أيضاً؛ أمّا الحكومة الحالية، فتعطي المصلحة الجغرافية وزناً حاسماً، حتى على حساب مصالح إسرائيل السياسية والاستراتيجية الأوسع.

• لا يزال البناء بعيداً عن التنفيذ، هذا إذا وصل أصلاً إلى مرحلة التنفيذ، لكن إسرائيل بدأت فعلياً بدفع الثمن: من علاقتها بشركاء رئيسيين؛ وتآكل رأس المال السياسي الذي تحتاج إليه في ساحات أُخرى؛ وزيادة الضغط الدولي لاتخاذ خطوات عملية ضدها بسبب سياستها في الضفة الغربية. ويحدث ذلك، تحديداً في وقت يتدهور الوضع الفلسطيني وتزداد المخاوف من التصعيد.

• ولا يكمن الخطر في الدفع بالبناء في المنطقة E1 فقط في الثمن السياسي والأمني الذي ستضطر إسرائيل إلى دفعه، بل أيضاً في احتمال أن تدفع هذا الثمن لقاء خطوة تثبت واقعاً إقليمياً ومدنياً يصعب تغييره، وتقلّص هامش تحرُّكها، وتعمّق التزامها تجاه القضية الفلسطينية، بدلاً من محاولة حلّها.