من غزة، حيث تُدفع أثمان حرب الابادة والدمار والتهجير، تبدو الانتخابات الإسرائيلية، من زاوية السياسة وموازين القوة، ليست شأنًا داخليًا منفصلًا تمامًا عن الفلسطينيين. فالقرارات التي تمس غزة والضفة والقدس والفلسطينيين في الداخل تُصنع داخل منظومة سياسية واحدة، وإن اختلفت ساحات المواجهة وأدواتها. ومن هنا تكتسب مشاركة الفلسطينيين في مناطق ٤٨ أهمية تتجاوز ممارسة حق انتخابي فردي إلى مسألة الوزن السياسي والقدرة على التأثير والرقابة والمساءلة.
من الوجود إلى القوة
وجودكم السكاني والاجتماعي والسياسي حقيقة راسخة و لكن الوجود وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى مشاركة وتمثيل ومساءلة. والصندوق ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتحويل الإرادة الشعبية إلى حضور داخل مؤسسة تشرّع وتراقب وتناقش السياسات العامة والميزانيات والحقوق وغيرها ،
الانتخابات الإسرائيلية تقوم على التمثيل النسبي؛ إذ يضم الكنيست 120 مقعدًا، ولا تحصل القائمة على تمثيل إلا بعد تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة، وبعد ذلك توزع المقاعد وفق القوة الانتخابية للقوائم التي اجتازت العتبة.
هذه القواعد تجعل المشاركة عنصرًا سياسيًا مؤثرًا؛ فالوجود العربي لا يتحول تلقائيًا إلى قوة داخل الكنيست، إلا عندما يُترجم إلى أصوات ثم إلى مقاعد. ولذلك فإن انخفاض المشاركة لا يغيّر النظام، ولا يؤجل الانتخابات، ولا يمنع تشكيل الحكومة؛ وإنما يعني أن جزءًا من القوة الانتخابية العربية لا يدخل في معادلة توزيع المقاعد، بما قد يؤثر في حجم التمثيل العربي وفي توزيع المقاعد بين مختلف القوائم.
وهنا تكمن أهمية رفع المشاركة إلى مستويات أعلى بكثير من انتخابات 2022 التي بلغت فيها المشاركة العربية قرابة 53%. فتجاوز هذه النسبة إلى 70% وأكثر ينبغي أن يُفهم باعتباره مؤشرًا على تحويل القوة الاجتماعية الفلسطينية إلى قوة انتخابية فعلية، فكلما زاد التصويت العربي كلما زادت عدد المقاعد للكتلة العربية .
فالمشاركة الواسعة لا تعني الاتفاق على خيار سياسي واحد، بل تعني أن يشارك كل إنسان وفق قناعته، وأن يختار من يراه معبرًا عن مصالحه وحقوقه ومواقفه. المهم ألا يتحول العزوف إلى قرار نيابة عنكم ، بما يجعل المقاعد تذهب الي كتل وقوايم يمنية اخري
حين تصبح المشاركة حماية للحقوق
أنتم لا تصوتون فقط على قضايا الحرب والسلام والسياسة الخارجية؛ أنتم تصوتون أيضًا على من سيمثل قضاياكم اليومية: المساواة، والأرض والمسكن، والتعليم والعمل، والخدمات والتنمية، ومكافحة الجريمة والعنف، والحقوق المدنية والسياسية. والتمثيل البرلماني يمنح هذه القضايا مساحة للمساءلة والمطالبة والتشريع وكشف أوجه الخلل، ويتيح للنواب أن يحملوا أصوات مجتمعهم إلى المؤسسات الإسرائيلية التي تُصنع فيها السياسات والقرارات الإسرائيلية بما فيها المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والتهجير وتقرير المصير.
ولهذا فإن المعركة ليست بين المشاركة وعدمها فقط، بل بين حضور سياسي قادر على مساءلة السلطات الإسرائيلية والتأثير في القرار وفضح الجرائم والانتهاكات ضد الفلسطينيين ، او ترك المجال مفتوحًا لآخرين كي يحددوا اتجاه السياسات دون مشاركة كافية من أصحاب الحقوق أنفسهم.
فالتمثيل ليس مقعدًا في الكنيست فحسب؛ قيمته في ما يستطيع شاغلوه فعله بهذا المقعد: السؤال، والرقابة، والتشريع، والمطالبة بالمعلومات، وإثارة القضايا أمام الرأي العام، وربط القضايا المحلية بالسياق السياسي الأوسع.
أبو شحادة ومعنى المعركة
في هذا السياق يأتي انسحاب سامي أبو شحادة. بعد أن تبين أن المحكمة العليا تتجه إلى استبعاده، بينما ألغت المحكمة قرارات استبعاد القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة وعوفر كسيف. وأعاد ذلك إلى الواجهة مسألة أوسع من مصير مرشح واحد: حدود المشاركة السياسية للفلسطينيين في إسرائيل، وحدود المجال المتاح أمام التمثيل السياسي العربي في ظل محاولات استبعاد قوائم ومرشحين.
يمكن النظر إلى دلالة انسحاب أبو شحادة التي تتجاوز شخصه. فإذا أدى استبعاد مرشح أو قائمة إلى إحباط الجمهور العربي ودفعه إلى العزوف، فإن أثر الإقصاء لا يتوقف عند حدود المرشح؛ بل يمكن أن يمتد إلى حجم التمثيل العربي نفسه.
هنا تكتسب المشاركة أهمية إضافية في ضوء،ما صرخ به ابو شحادة نفسه عن اهمية المشاركة العربية والصوت العربي وابتي ترتفع أهميته في ظل ما شهدته الانتخابات الحالية من محاولات لاستبعاد شخصيات وقوائم عربية من السباق الانتخابي.. وهذه الوقائع، بصرف النظر عن المواقف القانونية والسياسية المختلفة منها، تجعل التمثيل السياسي موضوعًا حاضرًا في المجال السياسي، وتذكّر بأن الحفاظ على الحضور السياسي يتطلب استخدام الأدوات المتاحة والمشاركة فيها.
وهنا يصبح السؤال الأهم: هل تتحول محاولة تقليص التمثيل إلى سبب لتقليص المشاركة؟ أم تتحول، بالعكس، إلى حافز للحفاظ على الحضور السياسي؟
لا توجد إجابة انتخابية مسبقة عن هذا السؤال، لكن الحساب البرلماني واضح: كل صوت إضافي يمكن أن يدخل في عملية توزيع المقاعد، بينما أصوات القوائم التي لا تتجاوز نسبة الحسم لا تتحول إلى تمثيل برلماني. وهذا يجعل المعركة على المشاركة ذات صلة مباشرة بالخريطة السياسية المقبلة.
من المشاركة إلى موازين القوة
لهذا السبب لا يصح اختزال الانتخابات في سؤال: «من سيصوّت لمن؟». السؤال الأكثر أهمية في الحالة الفلسطينية هو: كم سيكون حجم المشاركة، وكيف ستتوزع الأصوات، وكم منها سيتحول إلى تمثيل؟
ارتفاع المشاركة العربية يمكن أن يزيد عدد المقاعد التي تحصل عليها القوائم التي تصوّت لها الكتلة العربية، وقد يؤثر بالتالي في توزيع المقاعد بين بقية القوائم. ويصبح هذا التأثير أكثر حساسية عندما تكون بعض الأحزاب قريبة من نسبة الحسم؛ إذ يمكن لفارق محدود في الأصوات أن يحدد دخول قائمة إلى الكنيست أو خروجها منه، وهو ما ينعكس بدوره على الخريطة الائتلافية.
فالمشاركة المرتفعة تزيد الوزن الانتخابي العربي، ويمكن أن تغير توزيع المقاعد والحسابات التي تلي إعلان النتائج، وإن كانت لا تضمن وحدها نتيجة محددة لقائمة أو حزب بعينه.
وهذا مهم خصوصًا في انتخابات تحتاج فيها أي كتلة تسعى إلى تشكيل حكومة إلى بناء أغلبية برلمانية. لذلك فإن كل تغير في توزيع المقاعد يمكن أن يصبح جزءًا من معادلة تشكيل الائتلافات.
في زمن الإقصاء لا مكان للغياب
المشاركة هنا ليست مجرد مسألة عددية، وإنما هي أيضًا وسيلة للحفاظ على حضور سياسي قادر على طرح قضايا الأرض والمساواة والتمييز والتعليم والسكن والعمل والخدمات والعنف والجريمة، ومساءلة الحكومة بشأن السياسات التي تمس حياة الفلسطينيين في الداخل.
وعندما يتحول الإحباط إلى عزوف واسع، فإن الفراغ لا يبقى فراغًا؛ إذ تستمر المؤسسات في العمل، وتستمر السياسات في التشكل، وتستمر الموازنات والتشريعات والقرارات في الصدور. أما الغياب عن المشاركة فلا يعني الغياب عن آثار تلك القرارات. ولهذا فإن استخدام الحق الانتخابي لا يعني منح أي جهة تفويضًا مفتوحًا، بل يعني تحويل المشاركة إلى تفويض مشروط بالرقابة والمحاسبة والمتابعة.
وصوتكم يمكن أن يكون جزءًا من حماية غزة
غزة لا تطلب من أهلها في ٤٨ أن يحملوا عبئها وحدهم، ولا يمكن لصندوق الاقتراع وحده أن يوقف حربًا أو ينهي حصارًا أو يحقق العدالة. لكن السياسة تُبنى من تراكم الأدوات: صوت في صندوق الاقتراع، وتمثيل في البرلمان، ومساءلة داخل المؤسسات، وحضور في الإعلام، وتحرك حقوقي ودبلوماسي وشعبي.
ومن هنا يمكن لصوتكم أن يكون جزءًا من شبكة أوسع لإسناد غزة؛ وتبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في المجال السياسي الإسرائيلي، وطرح قضايا الضحايا والحقوق الإنسانية، ومساءلة السياسات والقرارات، ورفع كلفة التجاهل السياسي والإنساني، والدفاع في الوقت نفسه عن حقوق مجتمعكم ومكانته ومستقبله.
العلاقة بغزة والضفة ينبغي أن تُفهم بعيدًا عن المبالغة. التصويت لا يوقف الحرب، والمقاعد العربية لا تملك وحدها تغيير السياسة الإسرائيلية. لكن وجود تمثيل فلسطيني داخل المؤسسة السياسية يوفر قناة يمكن استخدامها لطرح قضايا وقف الحرب، وحماية المدنيين، والمساعدات الإنسانية، والقانون الدولي، والاستيطان والضم والتهجير، ومساءلة الحكومة عن سياساتها.
وهذا لا يعني أن الكنيست هو ساحة المعركة الأساسية على الحقوق الفلسطينية، وإنما يعني أن ترك الساحة السياسية خالية من الصوت الفلسطيني لا يخدم هذه الحقوق. ويمكن للتمثيل العربي أن يكون جزءًا من منظومة أوسع تضم العمل الحقوقي والقانوني والدبلوماسي والإعلامي والشعبي.
فاختلاف الأدوات لا يعني اختلاف القضية؛ بل يعني أن لكل ساحة موقعها ومساحتها وقدرتها على التأثير. وعندما تستخدم كل ساحة أدواتها، تصبح القضية الفلسطينية أكثر قدرة على الحضور والتأثير والمساءلة.
ومن هذه الزاوية تصبح المشاركة الفاعلة ذات معنى يتجاوز عدد المقاعد: فهي تسهم في تقليص مساحة التهميش السياسي، وفي مواجهة السياسات التمييزية، وفي إبقاء غزة والضفة والقدس ضمن النقاش العام والسياسي، دون أن تحمل الانتخابات ما لا تستطيع حمله.
الخلاصة: الوزن السياسي يبدأ من المشاركة
المعركة الانتخابية للفلسطينيين في الداخل هي معركة على الوزن السياسي للمجتمع الفلسطيني داخل النظام الذي يؤثر في حياته وفي جزء من المشهد الفلسطيني الأوسع.
الوصول إلى مشاركة تتجاوز 70% يعني أن نسبة أكبر من القوة الانتخابية الفلسطينية دخلت في الحساب البرلماني. وقد ينعكس ذلك على توزيع المقاعد، وعلى فرص القوائم القريبة من نسبة الحسم، وعلى الحسابات الائتلافية التي تبدأ بعد إعلان النتائج.
لذلك فإن السؤال السياسي الأهم ليس فقط: لمن سيذهب الصوت العربي؟
بل: هل سيذهب أصلًا إلى صندوق الاقتراع، وهل سيتحول إلى تمثيل قادر على استخدام وزنه؟
من غزة إلى أهلنا في 48 نقول: شاركوا وفق قناعاتكم، اختاروا وفق حقوقكم ومصالحكم، وراقبوا من يمثلونكم وحاسبوه.
في لحظة تتعرض فيها غزة والضفة والقدس والفلسطينيون في الداخل لضغوط متزايدة ومحاولات الإقصاء والشطب، لا ينبغي أن يتحول الإحباط إلى فراغ سياسي. فالمشاركة في الانتخابات، واختيار من يعبر عن قناعات الناخبين وحقوقهم، يمكن أن تعزز الحضور السياسي الفلسطيني داخل الكنيست، وتُبقي قضايا غزة والضفة والقدس وحقوق الفلسطينيين في الداخل حاضرة في المجال السياسي والمؤسسي. والصوت الفلسطيني، حين يتحول إلى مشاركة وتمثيل ورقابة ومساءلة، يمكن أن يكون جزءًا من شبكة أوسع لإسناد الحقوق الفلسطينية، بما فيها ان يكون درع لاهلنا في غزة والضفة والقدس، دون أن يحمل صندوق الاقتراع ما يتجاوز قدرته.