"لقاءات العلمين الى اين؟ غزة في حسابات نتنياهو كورقة مؤجلة"
مراد حرفوش
"لقاءات العلمين الى اين؟ غزة في حسابات نتنياهو كورقة مؤجلة"
الكوفية تشهد مدينة العلمين بجمهورية مصر العربية لقاءات مكثفة ومستمرة بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء الإقليميين، من أجل التباحث في تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتحريك ملف المفاوضات. تأتي هذه الجهود في ظل خروقات مستمرة للتهدئة، وجمود يكتنف مسار المحادثات نتيجة المعوقات المتتالية والتطورات الإقليمية المتسارعة التي تنعكس مباشرة على الأراضي الفلسطينية، ناهيك عن ارتباط المشهد بحسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يربط مسار الحرب بمستقبله السياسي وبقائه في السلطة.
الجولة الثالثة من لقاءات العلمين
قدّم ميلادينوف في التاسع عشر من أبريل خارطة طريق مكونة من 15 بنداً للبدء في تنفيذ مبادرة ترامب. وقبل الإعلان عن هذه الخارطة، قدّم تقريراً حول تنفيذ وقف إطلاق النار، حمّل فيه حركة حماس الجزء الأكبر من المسؤولية عن عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، بدعوى أنها لم تسلّم السلاح في القطاع. كما ربط التقرير الانتقال إلى المستوى الثاني بالإعلان الرسمي والتعهد من قبل فصائل المقاومة بغزة بتسليم السلاح، معتبراً هذا البند بمثابة منطقة وسطى بين المرحلتين الأولى والثانية؛ على الرغم من أن تسليم السلاح وفق رؤية دونالد ترامب يأتي ضمن التزامات المرحلة الثانية وتعهداتها.
واعتبرت حركة حماس أن مطلب ميلادينوف جاء إرضاءً وتوافقاً مع رؤية نتنياهو، الذي يسعى لفرض تسليم السلاح دون تنفيذ تعهدات دولة الاحتلال الإسرائيلي الخاصة بالمرحلة الأولى، والتي لم يلتزم الاحتلال منها إلا بالشيء القليل؛ إذ انتهك وقف إطلاق النار منذ يومه الأول. وتسببت هذه الانتهاكات في ارتقاء آلاف الشهداء والجرحى منذ أكتوبر الماضي، فضلاً عن تعطيل تنفيذ البروتوكول الإنساني، وعرقلة فتح المعابر وتدفق المساعدات كمّاً ونوعاً، ومنع إدخال البيوت المتنقلة والخيام لإيواء السكان الذين دمرت حرب الإبادة الجماعية بيوتهم وتركتهم عرضة لحر الصيف وبرد الشتاء. يتزامن ذلك مع دمار شبه كلي لحق بالقطاع الصحي والمستشفيات، التي تُركت دون تأهيل أو إنقاذ، في ظل تفشي الأوبئة والأمراض نتيجة تداعيات هذه الحرب المجنونة المستمرة منذ أكثر من عامين، يتباحث المجتمعون بجولة ثالثة من المفاوضات.
أمام هذا المشهد الذي يعمى عنه ميلادينوف والفريق المفاوض الأمريكي يبدو أن واشنطن وتل أبيب تريدان حصر وقف إطلاق النار في مسألة تسليم سلاح غزة دون أي تعهدات متبادلة تقع على عاتق الاحتلال، وفي ظل موازين قوى مجحفة وظالمة للفلسطينيين.
وفي المقابل، يسعى الوسطاء الإقليميون إلى إنقاذ وقف إطلاق النار، وسط تقديرات بأن نتنياهو يرغب في العودة إلى القتال في غزة، خاصة بعد تصاعد حدة المواجهة وسخونة الجبهة بين الاحتلال وحزب الله، وفشل الاحتلال في حسم المعركة لصالحه رغم كثافة النيران وسياسة الأرض المحروقة. يُضاف إلى ذلك هشاشة الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تنذر بتفجير الأوضاع الإقليمية برمتها في أي لحظة نتيجة تعثر المفاوضات وغياب أي اختراق في القضايا الخلافية الجوهرية.
وتأسيساً على هذه المقاربات المتباعدة بين خارطة طريق ميلادينوف ونوايا الاحتلال للعودة إلى حرب الإبادة، تبرز تطورات إقليمية لم يعد نتنياهو معها صاحب القرار المطلق. وفي المقابل، تبحث حركة حماس عن مقاربة فلسطينية تستند إليها لتقوية ردها على أفكار ومبادرة ميلادينوف، ولتخفيف الأوضاع الإنسانية الصعبة في القطاع والدفع نحو تنفيذ الاتفاق. ومع ذلك، تظل كل هذه اللقاءات تراوح مكانها؛ لغياب اتفاق فلسطيني جامع على رؤية وطنية موحدة بما فيها مع حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وافتقار المشهد لضغط دولي وأمريكي على وجه الخصوص يكبح جماح نتنياهو، الذي يتربص بغزة محاولاً تعويض إخفاقاته وأهدافه الكبرى التي أثبت الواقع عدم واقعيتها. والسؤال المطروح الى اين هذه المفاوضات ستصل في ظل الجحيم الذي يعيشونه أهالي القطاع المكلوم، دون أفق يذكر.
ورقة غزة مؤجلة ولكن
نتنياهو يحاول إنجاز شيء ملموس في المواجهة مع حزب الله على الجبهة اللبنانية؛ إلا أن قرار الاستمرار في توسيع هذه المواجهة لم يعد بيده بالكامل، بل بات محكوماً بموقف دونالد ترامب، الذي أجبره على كبح جماح التصعيد الذي كان ينوي القيام به في بيروت. وبناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن قطاع غزة قد أضحى الحلقة الأضعف والورقة الأخيرة في يد نتنياهو لتقديمها للجمهور الإسرائيلي خلال انتخابات الكنيست المقبلة، وذلك بعد سلسلة من الإخفاقات في تحقيق إنجازات استراتيجية كبرى في المواجهة المباشرة مع إيران ووكلائها في المنطقة، وفي ظل الكوابح الأمريكية التي قيدت مناوراته.
يُضاف إلى ذلك الأزمة الداخلية العميقة التي تعصف بدولة الاحتلال، بدءاً من أزمة قانون تجنيد الحريديم وصولاً إلى التعديلات القضائية وسلسلة التشريعات المثيرة للجدل التي ينوي الائتلاف الحكومي تمريرها قبل انتهاء ولاية الكنيست الحالية؛ وهي قضايا تحد بشكل كبير من هوامش مناورة نتنياهو داخلياً. وبهذا، تصبح "الورقة المؤجلة" لإنقاذه، أو لتقديم ما يقنع قاعدته الانتخابية واليمينية المتطرفة، هي المزيد من قضم الأراضي وتوسيع رقعة السيطرة العسكرية داخل القطاع، لتصل وفق تصريحاته وتوجيهاته الأخيرة للجيش نحو 70% من مساحة غزة خلال الأشهر المتبقية من عمر الائتلاف الحاكم، في خرق صريح لتفاهمات التهدئة. ومع ذلك، يظل المشهد الداخلي الإسرائيلي على صفيح ساخن وقابلاً للانفجار، وتظل التطورات الديناميكية الإقليمية هي الموجه الأساسي للمسارات الاستشرافية لمستقبل الأراضي الفلسطينية والمنطقة الملتهبة التي لا تهدأ.
نقلاً عن جريدة القدس