نشر بتاريخ: 2026/08/04 ( آخر تحديث: 2026/08/04 الساعة: 11:55 )
شريف الهركلي

مجزرة أبو شريعة... مأساة فلسطينية تتجاوز حدود الوصف

نشر بتاريخ: 2026/08/04 (آخر تحديث: 2026/08/04 الساعة: 11:55)

الكوفية في الحروب تُهدم البيوت وتُدمر المدن، لكن هناك جرائم تبقى عصية على النسيان لأنها تستهدف الإنسان وذاكرته وتاريخه دفعة واحدة. ومن بين أبشع المآسي التي شهدها قطاع غزة تبرز مجزرة عائلتي أبو شريعة والحساينة في حي الصبرة بمدينة غزة، بوصفها واحدة من أكثر المجازر إيلامًا في التاريخ الفلسطيني المعاصر.

ففي صباح يوم الخميس الموافق 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تعرض مربع سكني كامل تقطنه عائلتا أبو شريعة والحساينة لقصف عنيف بأحزمة نارية، حوّل المكان إلى كتلة هائلة من الركام والدمار. لم يستهدف القصف منزلًا بعينه، بل طال حيًا سكنيًا كاملًا يضم مئات المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، في مشهد يجسد حجم المأساة الإنسانية التي عاشها سكان القطاع.

وفي لحظات قليلة، تحولت البيوت التي كانت تضج بالحياة إلى مقابر جماعية مغلقة على ساكنيها. اختفت الأزقة والمعالم تحت الركام، ودفنت العائلات بأكملها في منازلها، لتبقى الشواهد الصامتة فوق الأرض بينما استقرت الحكايات والأحلام تحتها. ومنذ ذلك اليوم، بقيت جثامين الضحايا تحت الأنقاض، وتعذر الوصول إليها بفعل حجم الدمار الهائل واستمرار الظروف الميدانية الصعبة.

وعلى مدار سنوات، ظلت آثار الكارثة شاهدة على واحدة من أكثر الصفحات حزنًا في سجل الحرب على غزة، فيما بقيت عشرات العائلات تنتظر العثور على أحبائها أو معرفة مصيرهم. وكان الركام يخفي بين طبقاته بقايا حياة كاملة انتهت فجأة، تاركًا خلفه وجعًا مفتوحًا في ذاكرة المكان والإنسان.

ووفق المعطيات المتوفرة، أسفرت المجزرة عن استشهاد 308 فلسطينيين، بينهم 44 طفلًا دون السادسة عشرة من العمر، و37 امرأة، وأكثر من عشرة أشخاص من ذوي الإعاقة. وهذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل تعكس حجم الفاجعة الإنسانية التي ألمّت بعائلات كاملة مُحيت من السجل المدني، وفقدت أجيالًا كاملة من أبنائها في لحظات معدودة.

وفي الرابع عشر من يوليو/تموز 2026، بدأت طواقم الدفاع المدني عمليات انتشال الضحايا من تحت الركام، وسط إمكانات محدودة للغاية ونقص حاد في المعدات والآليات الثقيلة اللازمة. وقد واجهت الطواقم صعوبات كبيرة في الوصول إلى أماكن وجود الضحايا، ما جعل عملية الانتشال شاقة ومعقدة واستغرقت أسابيع طويلة.

وانتهت عمليات الانتشال في الأول من أغسطس/آب 2026، بعد جهود مضنية كشفت جانبًا من هول المأساة. وتمكنت الطواقم من انتشال 112 شهيدًا فقط من أصل 308 ضحايا، فيما تعذر العثور على بقية الجثامين بسبب شدة القصف الذي أدى إلى تناثر الرفات واندثار أجزاء كبيرة منها تحت الأنقاض. وقد أظهرت عمليات الانتشال مشاهد قاسية تعكس بشاعة ما جرى، حيث تحولت منازل سكنية آمنة إلى شواهد على واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية التي شهدها القطاع.

وأعادت مشاهد الانتشال إلى الواجهة حجم الكارثة الإنسانية التي عاشها الضحايا وذووهم، كما أثارت تساؤلات عميقة حول مسؤولية المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية والإنسانية تجاه حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة بحق السكان الأبرياء.

وفي موكب وطني مهيب، شُيّعت اليوم الثلاثاء الموافق 4 أغسطس/آب 2026 جثامين الشهداء الذين جرى انتشالهم من تحت الركام، وذلك أمام ديوان عائلة أبو شريعة بمدينة غزة، قبل أن تتجه الجموع إلى مقبرة المستشفى الأهلي ليواروا الثرى بعد انتظار امتد سنوات.

وشارك في مراسم التشييع حشد جماهيري غفير من أبناء شعبنا الفلسطيني، إلى جانب ممثلين عن الفصائل الوطنية والقوى الإسلامية وتيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، في مشهد جسّد وحدة الألم ووحدة المصير. وارتفعت هتافات الغضب والدعاء والوفاء للشهداء، فيما بدت السماء الملبدة بالغيوم وكأنها تشارك الأهالي حزنهم على هذه الكارثة الإنسانية التي ما زالت جراحها مفتوحة.

إن مجزرة أبو شريعة والحساينة ليست مجرد حدث عابر في سجل الحرب، بل جرح مفتوح في الذاكرة الفلسطينية، وشهادة دامغة على حجم المعاناة التي عاشها المدنيون في قطاع غزة. وستبقى أسماء الشهداء حاضرة في الوجدان الوطني، شاهدة على مأساة إنسانية كبرى، وعلى حق شعب ما زال يتمسك بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية رغم كل ما تعرض له من مآسٍ وآلام.

الرحمة للشهداء، والشفاء العاجل للجرحى، والحرية لفلسطين وأهلها الصامدين.