نشر بتاريخ: 2026/10/13 ( آخر تحديث: 2026/10/13 الساعة: 21:08 )

خاص|| القائمة العربية المشتركة.. صوت داخل إسرائيل وحدود التأثير في القضية الفلسطينية

نشر بتاريخ: 2026/10/13 (آخر تحديث: 2026/10/13 الساعة: 21:08)

غزة: في ظل تصاعد سياسات اليمين الإسرائيلي، وتوسّع الاستيطان في الضفة الغربية، واستمرار تداعيات الحرب على قطاع غزة، تبرز القائمة العربية المشتركة بوصفها أحد أبرز أطر التمثيل السياسي للمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، وفاعلاً برلمانياً يسعى إلى التأثير في موازين القوى، ومواجهة السياسات الحكومية التي تمس حقوق الفلسطينيين وحضورهم السياسي.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عاد دور الأحزاب العربية إلى واجهة المشهد، وسط صراع على التمثيل داخل الكنيست، ومحاولات لاستبعاد قوائم عربية من المنافسة، وتساؤلات بشأن قدرة هذه القوى على التأثير في هوية الحكومة المقبلة وسياساتها.

من التمثيل البرلماني إلى التأثير في موازين الحكم

تأسست القائمة المشتركة عام 2015، وضمت في صيغتها الأصلية أربعة أحزاب عربية ويهودية عربية، هي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة. وحققت القائمة نتائج انتخابية لافتة، إذ حصلت على 13 مقعداً في انتخابات 2015، ثم 15 مقعداً في انتخابات مارس/آذار 2020، قبل أن تتفكك صيغتها الموسعة مع الانقسامات والخلافات بين مكوناتها.

وفي صيغتها الحالية، تضم القائمة المشتركة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة العربية للتغيير، والتجمع الوطني الديمقراطي، فيما تخوض القائمة العربية الموحدة المنافسة بصورة منفصلة.

ويعكس هذا التباين خلافات حول طبيعة العمل السياسي داخل إسرائيل، وحدود المشاركة في الائتلافات الحكومية، وأولويات العمل بين معالجة قضايا المواطنين الفلسطينيين اليومية وبين مواجهة السياسات القومية والاستيطانية الإسرائيلية.

 معركة الانتخابات.. محاولة لتقليص الحضور العربي؟

شهد سبتمبر/أيلول 2026 تطوراً لافتاً عندما صوّتت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية لصالح استبعاد القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة من الانتخابات، في خطوة أثارت اعتراضات واسعة من الأحزاب العربية ومؤسسات حقوقية.

واستندت طلبات الاستبعاد إلى اتهامات تتعلق بمواقف القوائم والمرشحين من إسرائيل والصراع، بينما رفضت الجهات المعنية هذه الاتهامات وطعنت في الأسس القانونية التي استندت إليها.

لكن المحكمة العليا الإسرائيلية نقضت قرارات الاستبعاد، وأتاحت للقائمتين خوض انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وتكشف هذه الواقعة عن حجم الجدل حول شرعية التمثيل السياسي العربي وحدوده داخل النظام الإسرائيلي، كما تضع مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات أمام تحديات تتجاوز المنافسة بين الأحزاب، لتشمل حقهم في التمثيل السياسي ومواجهة محاولات إقصائهم.

ماذا تستطيع القائمة أن تفعل للقضية الفلسطينية؟

لا يقتصر دور القائمة المشتركة على الدفاع عن مصالح الفلسطينيين داخل إسرائيل، بل يمتد سياسياً إلى معارضة الاحتلال والاستيطان، والدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وطرح قضايا غزة والضفة الغربية والقدس في النقاش العام والبرلماني الإسرائيلي.

ومن خلال العمل في الكنيست، تستطيع القائمة استخدام أدوات برلمانية تشمل تقديم مشاريع القوانين، وطرح الأسئلة على الحكومة، والمشاركة في اللجان، وممارسة الضغط السياسي والإعلامي، إلى جانب بناء تحالفات مع قوى يهودية معارضة للسياسات الحكومية.

غير أن هذه الأدوات تظل محدودة أمام حكومة تمتلك أغلبية برلمانية متماسكة، أو عندما تتعارض المطالب الفلسطينية مع التوجهات الأساسية للائتلاف الحاكم.

وتبرز هنا معادلة معقدة: فالحضور البرلماني يمنح الأحزاب العربية منبراً سياسياً وأدوات للمساءلة، لكنه لا يعني بالضرورة قدرتها على وقف القرارات العسكرية أو تغيير السياسات الاستيطانية التي تتخذها الحكومة وأجهزتها.

 الاستيطان وغزة والقدس.. اختبار التأثير الحقيقي

تتحدد أهمية القائمة المشتركة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية بقدرتها على تحويل المواقف السياسية إلى ضغط ملموس على مؤسسات الحكم، خصوصاً في ثلاثة ملفات رئيسية:

أولاً: الاستيطان والضفة الغربية
تستطيع القائمة الاعتراض على التشريعات والسياسات التي تسهّل التوسع الاستيطاني، وفضح تداعياتها السياسية والقانونية، والتواصل مع قوى معارضة داخل إسرائيل وخارجها. لكنها لا تملك منفردة صلاحية تعطيل قرارات الحكومة أو فرض وقف الاستيطان.

ثانياً: قطاع غزة
يمكن لنوابها استخدام المنبر البرلماني للمطالبة بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وتسهيل دخول المساعدات، ورفض العقوبات الجماعية، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في النقاش الإسرائيلي. إلا أن تأثير هذه المطالب يرتبط بموازين القوى داخل الكنيست وبقدرة المعارضة على ممارسة ضغط سياسي أوسع.

ثالثاً: القدس والحقوق الوطنية
يشمل دورها مواجهة محاولات تقييد الحقوق الفلسطينية، والدفاع عن حرية العبادة، ورفض الإجراءات التي تغيّر الواقع السياسي والديمغرافي في الأراضي المحتلة. لكن ترجمة هذه المواقف إلى نتائج عملية تتطلب أدوات ضغط تتجاوز الخطاب البرلماني وحده.

وبذلك، فإن قياس تأثير القائمة لا ينبغي أن يعتمد فقط على عدد مقاعدها أو حدة تصريحاتها، بل على قدرتها على بناء تحالفات، وعرقلة تشريعات محددة عندما تسمح موازين القوى، ورفع الكلفة السياسية للانتهاكات، وتعزيز المساءلة الدولية.

 الانقسام العربي.. فرصة ضائعة أم اختلاف في الرؤية؟

يشكل تشتت الأحزاب العربية تحدياً إضافياً أمام قدرتها على التأثير. فالقائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة تتبنيان مقاربتين مختلفتين بشأن العلاقة مع الأحزاب الصهيونية وإمكانية التأثير من خلال دعم ائتلافات حكومية أو التفاوض معها.

ويرى مؤيدو توحيد القوائم أن تجميع الأصوات يعزز التمثيل البرلماني ويزيد القدرة على التأثير، بينما يركز أنصار المقاربات المنفصلة على اختلاف البرامج السياسية وضرورة الحفاظ على استقلال القرار الحزبي.

وفي الانتخابات الحالية، عاد هذا الخلاف إلى الواجهة، وسط تحذيرات من أن انقسام الأصوات قد يضعف الحضور العربي في الكنيست، ولا سيما في ظل نسبة الحسم الانتخابية البالغة 3.25%.

ولا يتعلق الأمر بالحسابات الانتخابية وحدها؛ فالتحدي الأكبر يتمثل في بناء استراتيجية مشتركة تحدد أولويات العمل، وتوازن بين احتياجات المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل وبين المسؤولية السياسية تجاه شعبهم في الأراضي المحتلة.

حضور مؤثر لكنه لا يكفي وحده

تمثل القائمة المشتركة أداة سياسية مهمة في المشهد الإسرائيلي، وتوفر للفلسطينيين داخل إسرائيل منصة للدفاع عن حقوقهم ومواجهة السياسات الحكومية، كما تتيح مساحة لطرح قضايا الاحتلال والاستيطان وغزة في قلب النقاش السياسي الإسرائيلي.

لكن تأثيرها يظل مرتبطاً بحجم تمثيلها، ووحدة مكوناتها، وطبيعة التحالفات داخل الكنيست، ومدى استعداد القوى المعارضة للتعاون معها. كما أن مواجهة الاحتلال وسياسات الاستيطان تتطلب، إلى جانب العمل البرلماني، تحركاً وطنياً ودبلوماسياً وحقوقياً أوسع.

وفي المحصلة، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بقدرة القائمة على زيادة مقاعدها، بل بمدى قدرتها على تحويل التمثيل السياسي إلى نتائج ملموسة، وحماية الحقوق الفلسطينية، ومواجهة سياسات الاحتلال، من دون المبالغة في تقدير ما تستطيع قوة برلمانية تعمل من داخل النظام الإسرائيلي إنجازه بمفردها.