من سينتصر لفتح؟.. القيادات أم الشارع؟
من سينتصر لفتح؟.. القيادات أم الشارع؟
الكوفية من سينتصر لفتح؟ أنا أم أنت.. هي أم تلك؟ طالما أكد الشارع أن فتح هي أم الجماهير، وعمود الخيمة، والحركة التي عمرها من عمر القضية الفلسطينية، تلك الحركة التي روت بدماء أبنائها تراب فلسطين وخارجها. واليوم، ها هي تعيش أسوأ أيامها؛ تصدع، وفرقة، وخلافات وأزمات لا حصر لها، وقرارات ثورية وأخرى مركزية تقف عاجزة على الأرض.
ليس غريباً أن تنعكس هذه الأزمات والخلافات على الحالة الفلسطينية برمتها، فأضعفتها، وأنهكت قواها، وأضاعت بوصلتها؛ فالموقف الوطني العام يمر بمرحلة بالغة الدقة والحساسية، حيث تنهب الأرض وتصادر، وتسلُب الحقوق، وتقُلص الموارد، وتنتهك الأعراض، ولا سبيل لنا إلا بوحدة فتح أولاً، والوحدة الوطنية ثانياً وأخيراً.
ربما تكون المحطات السياسية المقبلة هي الفرصة الأخيرة لحركة فتح وشكلها التنظيمي؛ فالأزمات التنظيمية تشكل زلزالاً يضرب قواعدها وبناءها وهيكلها وحتى أركانها. وهنا لا نتحدث عن الأزمة مع تيار الإصلاح الديمقراطي فحسب، بل إن الأزمات طالت قيادات وازنة في مركزية فتح ومجلسها الثوري وحتى هياكلها التنظيمية. فحين يتحول التنظيم إلى أدوات شخصية، والقرارات إلى أحبار على ورق، والهياكل إلى صور تذكارية، يصبح هذا التنظيم في مهب الريح. حيث يشكل الاعتماد على "شخصنة الأمور" وإدارتها بمنطق الإقصاء والاحتواء الفردي حجر العثرة الأكبر أمام أي لحمة فتحاوية مرتقبة؛ فالسياسات الحالية والرفض المسبق والتسويف في معالجة مطالب توحيد البيت الفتحاوي تبقي الجهود المضنية حبيسة المزاج الخاص بالرئيس محمود عباس، صاحب الكلمة العليا وربما الوحيدة في هذا الملف، مما يحرم الحركة استعادة عافيتها ويترك الجسم الفتحاوي ممزقاً بين مراكز قوى متناحرة داخل اللجنة المركزية وخارجها.
إن إصلاح حركة فتح ليس شعاراً فضفاضاً، وليس مجرد تضييع للوقت لتحسين الشروط والمواقف، بل هو استحقاق وطني قبل أن يكون تنظيمياً. وكل المحاولات من الغيورين على التنظيم هي مساعٍ جادة، بدءاً من الرعاية المصرية للحوار، مروراً بقيادات تيار الإصلاح الديمقراطي، وصولاً لأصغر شبل فلسطيني ينتظر لحمة فتح ووقف النزيف التنظيمي، وايجاد إرادة سياسية قوية قائمة على المصالح الوطنية لتحويل هذه اللقاءات إلى مسار إنقاذ حقيقي للقضية الفلسطينية برمتها، وليس فقط على صعيد فتح كحركة.
وهنا يبرز دور الرئيس محمود عباس كرئيس لحركة فتح في كيفية إدارة هذه الملفات، وتحديداً داخل الحركة؛ فالتسويف هنا يُستخدم كأداة ضغط لتوجيه رسائل سياسية إقليمية ودولية تؤكد أن القيادة منفتحة على الحوار، دون وجود رغبة حقيقية أو إرادة سياسية واضحة لتقديم استحقاقات تنظيمية جوهرية تحدث الاختراق الحقيقي وتنهي حالة التشرذم. فليس من المعقول أن يُرسل الرئيس نائبه بدون خطوط حمراء ولا سقف مفاوضات لمجرد الاستماع، وكأن اللقاء بروتوكولي عابر، ولا حول ولا قوة لأبرز القيادات بالحركة الممثلة بنائب الرئيس وأعضاء الوفد، ليُسجل عليهم أنهم جاؤوا فقط للاستماع وإدارة الأزمات لا حلها.
إن استمرار حالة التشظي والتعنت في توحيد الصف الفتحاوي لا يضعف فتح وحدها، بل يهدد المشروع الوطني الفلسطيني برمته في ظل غياب قيادة موحدة قادرة على مواجهة التحديات الكبرى. وإذا استمر هذا النهج من التسويف وإدارة الأزمات لا حلها، فإن الحالة الفلسطينية ستدخل في متاهة أعمق من الضعف والتراجع، إلى واقع لا يمكن حمد عقباه في ظل اليمين المتطرف الذي يحكم دولة الاحتلال.
لكن الحريصين على التنظيم أكثر من المنتفعين به، وهم أبناء هذا التنظيم الشعبوي، سينتصرون له في كل أزمة وكل قضية، ولن ينتظروا هلاك ما بناه عظماء الحركة كياسر عرفات، وخليل الوزير، وأبو إياد، وأبو الهول، وأبو علي شاهين، وكل من جعل من فتح نبراساً للقضية الفلسطينية نُهتدي به. فهل يفعلها الشارع مرة أخرى ويقول كلمته، ويعيد لفتح مكانتها وللقضية أصواتها؟ فمن سينتصر لفتح أولاً؟