فلنجعل الشراكة طريقا، والانتخابات جسرا، والتوافق الوطني هدفا ساميا
فلنجعل الشراكة طريقا، والانتخابات جسرا، والتوافق الوطني هدفا ساميا
الكوفية بعد هذه السنين الطوال، وبعد كل ما مررنا به، وبعد كل ما دفعه شعبنا من قتل وتشريد وضم وتهويد، ومن دم ودموع وأعمار وأحلام، فقد حانت اللحظة لكي يسأل الجميع نفسه، بصدق وشجاعة: إلى متى سنبقى أسرى لما اختلفنا عليه، بدلا من أن نلتقي على ما يجمعنا؟
لا أحد يطلب من أحد أن ينكر جراحه وآلامه. فالذاكرة الوطنية حاضرة، والجراح لا تلتئم بكلمة. لكن هناك فرقا بين أن نتذكر الماضي لنتعلم منه، وبين أن نبقى أسرى له إلى الأبد، ننتظر مزيدا من الخسائر والآلام، وربما نعيد السؤال نفسه بعد سنة أو اثنتين أو عشر سنوات.
لقد دفع شعبنا ثمنا باهظا للانقسام والاقتتال والتخوين والإقصاء. ومن حق الأجيال القادمة علينا ألا نورثها خلافاتنا، ولا وطنا ممزقا، ولا مؤسسات ضعيفة، ولا نظاما سياسيا عاجزا عن جمع أبنائه وطي صفحات الماضي.
آن الأوان أن تختلف القوى والكوادر دون أن تتقاتل، وأن تتنافس دون إقصاء، وأن تتسامح دون إنكار لما حدث.
لقد جرت في الأيام الأخيرة لقاءات متعددة مع مختلف القوى والفصائل، قادها تيار الإصلاح الديمقراطي بحركة فتح، في محاولة جادة للم الشمل الوطني، وطي صفحة الماضي، وبناء شراكة أو تحالفات وطنية تسبق الانتخابات القادمة أو تليها. وما تبع ذلك من تصريحات ولقاءات إعلامية للعديد من القادة يؤكد أن هناك فرصة تاريخية لفتح الطريق نحو المصالحة والشراكة.
من الطبيعي ألا يتفق الجميع على كل شيء، لكن جلوس الفرقاء إلى طاولة واحدة، والبحث عن مساحة مشتركة وتوافقية، أفضل ألف مرة من استمرار القطيعة والضياع.
الشراكة الوطنية ليست صفقة بين الفصائل، ولا تقاسما للمقاعد والمواقع، بل اعتراف بأن فلسطين أكبر من كل القوى والفصائل والشخصيات، وأن واجب الجميع هو خدمة الشعب وتحقيق مصالحه.
نداء خاص إلى شباب فلسطين عموما، وإلى شباب الفصائل على وجه الخصوص:
"أنتم لستم مسؤولين عن كل ما حدث في الماضي، لكنكم مسؤولون عن المستقبل الذي ستعيشونه وتصنعونه.
لا تسمحوا بأن ترثوا خصومات الأمس بما تحمله من آلام ومعاناة. لا تجعلوا الانقسام إرثا مستمرا، ولا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن اختلافكم السياسي يستوجب الكراهية أو القطيعة أو الانتقام.
كونوا الجيل الذي يقول لقياداته بوضوح:
نريد الوحدة والشراكة، لا الانقسام والإقصاء.
نريد أن نختلف، ولكن ديمقراطيا وباحترام.
نريد أن نحتكم إلى الشعب والقانون والمؤسسات، لا إلى قوة الفصيل، ولا إلى الرغبة في الاستحواذ والسيطرة.
لا تنتظروا أن يتغير الآخر أولا. ابدأوا أنتم بعملية التغيير.
افتحوا جسور التواصل واللقاء بينكم، داخل الفصائل وخارجها، واجعلوا صداقاتكم وحواراتكم ومساحاتكم المشتركة أقوى من لغة الكراهية التي ورثتها الأجيال السابقة".
أنتم قادرون على تغيير الثقافة السياسية قبل أن تغيروا موازين القوى، وقادرون على أن تجعلوا من الاختلاف مصدر قوة، لا سبيلا للصراع والتفكك.
قولوا لقادتكم ولمن يتقدم بكم إلى المستقبل:
"نريد نظاما سياسيا عادلا، ومؤسسات وطنية قوية وفاعلة، وانتخابات حرة ونزيهة، وسلطة وطنية واحدة تستمد هيبتها من القانون وشرعيتها من الشعب، وقرارا وطنيا موحدا يخضع للمصلحة الوطنية والعدالة والقانون".
إذا كانت الانتخابات فرصة لإعادة الشعب إلى موقع الحكم والمسؤولية، فلنمنحه هذا الحق الأصيل. وإذا كانت التحالفات نافذة للحوار والتوافق، فلنفتحها.
وإذا كان صندوق الاقتراع قادرا على حسم خلافاتنا سلميا، فلنحتكم إليه.
لا نريد انتخابات تعيد إنتاج الانقسام، بل انتخابات تفتح الطريق للخروج منه.
ليبدأ كل منا، من موقعه، بخطوة واحدة نحو الآخر.
فقد تكون خطوتنا اليوم بداية طريق الإنتصار لفلسطين التي نحلم بها جميعا، والتي ستكونون أنتم صناع مستقبلها والأوفياء لها.