نشر بتاريخ: 2026/10/08 ( آخر تحديث: 2026/10/08 الساعة: 13:21 )
طلال عوكل

العالم يدخل مرحلة التغيير

نشر بتاريخ: 2026/10/08 (آخر تحديث: 2026/10/08 الساعة: 13:21)

أمس الأربعاء. كان موعداً مع حدث تاريخي صادم بكل معنى الكلمة وفق أي تقييم لطبيعة ونتائج ذلك الحدث الذي لا يزال يحفر عميقاً ليس في ذاكرة الشعب الفلسطيني، ودولة الاحتلال فقط، وإنما كأنه زلزال عالمي تتعدى قوته، وتداعياته ما هو معروف من زلازل إن كانت طبيعية أم من صنع البشر.

نعم، الطوفان زلزل أركان الشعب الفلسطيني، الذي دفع ويدفع أثماناً باهظة كان يدفعها وسيدفعها في كل الأحوال، في سياق اجتهاد فلسطيني لمواجهة الاحتلال، وتحرير الأرض.

إزاء حدث ضخم من هذا المستوى، لا يمكن إحالة قرار بهذا الحجم، لأسباب أنانية أو ذاتية لصالح الجهة التي بادرت إليه، وهي والكل يعلم أن ردود الفعل الإسرائيلية ستكون أيضاً غير مسبوقة وهذا ما جرى بالفعل. ولكن في قراءة المشهد العام فإن الجاهل فقط من لا يرى الفارق بين فعل فلسطيني مكلف، يؤدي إلى تأكيد الهوية الفلسطينية، والحق التاريخي ويقدم السردية على حقيقتها التي لطالما نجحت إسرائيل في تشويهها وتزييفها، وبين فعل إسرائيلي يعيد صياغة أو كشف الهوية الحقيقية للمشروع الصهيوني الذي ينطوي على كره وحقد على البشر، ويقدم إسرائيل كما هي دون مكياجات وأكاذيب على أنها دولة «أبارتهايد» وإرهاب، واستهتار بكل القوانين والأعراف وحتى المؤسسات الدولية.

إسرائيل ظهرت على حقيقتها كدولة ترتكب ابشع جرائم العصر، من الإبادة الجماعية إلى الحصار، إلى التجويع، إلى القتل بالجملة والتدمير، الطوفان كشف على نحو شديد الوضوح الأهداف الاستراتيجية لدولة الاحتلال، وهي طرد الفلسطينيين كل الفلسطينيين من ارضهم وفق مخططات متزامنة في الضفة وغزة، ومتدرجة نحو التخلص من الوجود الفلسطيني في أراضي ١٩٤٨.

حكومة الاحتلال لم تكن تنتظر طوفاناً حتى تباشر في تصعيد مخططاتها من اجل فرض السيادة على الضفة الغربية والقدس، من خلال استغلال فرصة وجود رئيس في الولايات المتحدة، هو الأفضل والأكثر سخاء لإسرائيل ومخططاتها.

لو لم تكن واقعة الطوفان، فإن الكل يعرف بأن نتنياهو سيختلق مبرراً، وإذا كان ما وقع ويقع في قطاع غزة سببه الطوفان، فما هو السبب الذي يجعل الحكومة الإسرائيلية تقوم بما قامت وتقوم به في الضفة والقدس؟.

سبق لي أن قلت وكتبت، إن المشروع الصهيوني الاستعماري قد ولد في رحم الغرب الاستعماري، وان ضعضعته ستبدأ من حيث المكان الذي ولد فيه، انظروا ماذا يحصل في بريطانيا كنموذج لدول الغرب، وهي دولة وعد بلفور التي أسست لقيام دولة إسرائيل.

وانظروا أيضاً إلى ما يقع في الولايات المتحدة من تغيرات هائلة وهي الدولة التي ورثت مكانة بريطانيا في تبني ودعم المشروع الصهيوني، بسرعة تهاوت السردية الإسرائيلية التقليدية، التي كانت تقدم إسرائيل كضحية في وسط عربي وإسلامي معادٍ وكاره، ويسعى لتدميرها، لا تقف السردية المتهاوية عند هذا الحد، بل تقدم إسرائيل على أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، والتي تحافظ على الحضارة الغربية، وقيم الديمقراطية فما الذي حصل؟

في خطابه لمناسبة السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ يهاجم نتنياهو زعماء بريطانيا وفرنسا وهولندا بسبب مواقف حكوماتهم إزاء السياسة الإسرائيلية في الضفة وغزة، والإجراءات التي اتخذوها لمحاصرة المستوطنات والمستوطنين وبضائعهم والمتعاملين معهم من الشركات. على أن حدثاً تاريخياً وقع بالقرب من هذه المناسبة حيث اتخذ مؤتمر حزب الخضر البريطاني، قرارات لا يجرؤ حتى الآن الفلسطينيون والعرب على اتخاذ مثلها، لعل الأهم في القرارات التي اتخذها الحزب بالأغلبية، هو الدعوة لإقامة دولة ديمقراطية على كامل فلسطين التاريخية، تضمن المساواة بين مواطنيها، هذه الدعوة تعني عدم الاعتراف بإسرائيل، وهي تعيد التذكير بالبرنامج الأساس الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي نص على أن الكفاح الفلسطيني يستهدف إقامة دولة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع، مسلمين ومسيحيين ويهودا.

قد يقلل البعض من أهمية القرارات التي اتخذها حزب الخضر بالنظر لأنه لا يملك الإمكانية لتشكيل الحكومة، ولكنه أولا حزب بريطاني وثانيا، هو مكون أساسي في الائتلافات الحكومية، وثالثاً لأنه يقرأ اتجاهات تطور الرأي العام في بريطانيا تجاه الصراع في الشرق الأوسط. ترامب أدرك هذه المعادلة، حين اعترف بأن الأوضاع تغيرت بينما كان يضمن الفوز من يدعم إسرائيل، فإن من يدعمها الآن يضمن الخسارة، ترامب الذي يكابر كل الوقت يعرف ما معنى أن ينظر ٦٠٪ من الرأي العام الأميركي، لإسرائيل بشكل سلبي، كانت كامالا هاريس مرشحة الرئاسة في الحملة التي فاز بها ترامب، قد اعترفت أن احد أسباب فشلها في الانتخابات موقف الرأي العام من سياسة بايدن حين كانت نائبته.

قرار الخضر احدث هستيريا في إسرائيل، زادت حدة التوتر مع الحكومة العمالية البريطانية، التي هددت بطرد سبعة وعشرين دبلوماسيا إسرائيليا في حال أغلقت إسرائيل القنصلية البريطانية في القدس.

وفي العموم، لا يكاد يمر يوم، دون أن يعلن فنان أو ممثل أو مخرج، أو كاتب أو صحافي أو عالم، أو أكاديمي، موقفاً صريحاً معادياً ورافضاً للسياسة الإسرائيلية، ويجرؤ على رفع العلم الفلسطيني أو يلبس الكوفية للتعبير عن دعمه وتعاطفه مع الفلسطينيين، وفي كل يوم تقريباً، تظهر مواقف فرق رياضية ومدربين أو لاعبين، يعبرون عن رفضهم المشاركة في مباريات مع فرق إسرائيلية، أو يعلنون مواقف تضامن مع الفلسطينيين، العالم يتغير في صالح القضية الفلسطينية، وان كان أهلها يتعذبون، وحالهم لا يسر صديقاً ولا يكيد عدواً.