لا تفويض لمن يسرق التفويض.. من يحاسب الرئيس محمود عباس؟
نسرين موسى
لا تفويض لمن يسرق التفويض.. من يحاسب الرئيس محمود عباس؟
الكوفية في العادة، حين نترقّب قرارًا أو حدثًا، ننتظر مفاجأة، لكن الأمر يختلف حين يكون رئيس دولتك هو محمود عباس، الرئيس المتعدد الصلاحيات، المنتخب بلا انتخابات، والمفوّض بلا تفويض، الذي يبدو وكأنه يستمد بقاءه في كرسيه من مصباحه السحري الخاص: ألّا سلطة تعلو على سلطته، أمّا الشعب، فبالعامية التي تختصر حجم المأساة: «لو مش عاجبه ينتحر».
دائمًا ما تكون الأسباب جاهزة، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي، وللتوضيح، أنا هنا لا أبرّئ الاحتلال، ولا أنفي مسؤوليته عن واقعنا، لكنني أرفض أن يتحوّل وجوده إلى شماعة تُعلّق عليها كل الإخفاقات، أو إلى مبرر دائم لتعطيل حق الشعب في اختيار من يمثله.
قبل أن يقرّر الرئيس إجراء الانتخابات، كانت شماعة الاحتلال حاضرة، ومع كل تصريح واجتماع يعود التلويح نفسه: ستُجرى الانتخابات ما لم يعطّلها الاحتلال.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح الاحتلال وحده مسؤولًا عن كل ما يجري، أم أن هناك إخفاقات داخلية لا يريد أحد مواجهتها؟
فحتى الطفل يستطيع أن يقرأ المشهد ويسأل: لماذا لم تنجح القيادة في توحيد الحركة والخروج بقائمة موحّدة؟ ولماذا لم تستطع لمّ شمل الفرقاء؟ ولماذا ينتهي كل حديث عن الاستحقاق الديمقراطي إلى تأجيل جديد، وكأن التأجيل أصبح قدرًا دائمًا لا نهاية له؟
المشكلة أن سنوات الانتظار لا تمرّ على الناس بلا ثمن.
هناك شباب تتآكل أعمارهم، وأحلام تتبدّد، ووطن يزداد خرابًا ودمارًا، فيما يبدو أن السؤال الأهم لدى الرئيس وحاشيته هو: كيف يبقى الكرسي ثابتًا تحت أقدامهم؟ أمّا ما يحدث للشعب، فيُترك لبيانات التبرير وخطابات الوعود.
وبعد إلغاء المرسوم رقم (4) لسنة 2026، المتعلق بالدعوة إلى إجراء الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، يبرز السؤال عن مصير الاستحقاق الانتخابي الذي طُرح موعده الجديد في 11 سبتمبر/أيلول 2027، لانتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة: هل سنصل فعلًا إلى صناديق الاقتراع، أم أننا أمام موعد آخر يُضاف إلى سلسلة المواعيد المؤجلة؟
ليست هذه المرة الأولى التي يُلوَّح فيها بإلغاء الانتخابات أو تأجيلها، وليست المرة الأولى التي يجد فيها المُعترض نفسه متهمًا بالتجنّح، وكأن المطالبة بحق ديمقراطي أصبحت تهمة، وكأن الاعتراض على قرار سياسي لا ينسجم مع رغبة القيادة جريمة تستوجب التصنيف والإقصاء.
لكن من حقنا أن نسأل: ماذا ننتظر؟ ولماذا جرى التأجيل؟ ولصالح من؟ وأين مصلحة الشعب من كل ذلك، إذا كان المواطن في الشارع مستاءً، وفاقدًا الثقة بوعود تتكرر من دون أن تتحوّل إلى واقع؟
إذا كان الاحتلال، كما يقول عباس، هو من يعطّل الانتخابات، وكان الاحتلال قد نفى تعرّضه لها، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: ما جدوى الحشد الدبلوماسي والجهود التي تبذلها حاشية الرئيس وسفاراته لحشد الدول والضغط على الاحتلال، إذا كان القرار الفلسطيني نفسه لا يصل إلى صندوق الاقتراع؟ أم أن اللعبة باتت مريحة إلى حدّ أن كل اعتراض على البقاء في الكرسي بلا انتخابات يُواجَه بالعبارة الجاهزة: الاحتلال هو السبب؟
لقد سئم الشعب إبعاده عن ممارسة حقه، وسئم أن يرى هذا الحق حاضرًا في التصريحات والبيانات والخطابات، وغائبًا عن حياته السياسية الفعلية. فالديمقراطية ليست وعدًا يُلقى في مؤتمر صحفي، ولا موعدًا يُعلن ثم يُسحب، ولا منّة يمنحها الحاكم لشعبه متى شاء. إنها حق أصيل، لا يملك أحد مصادرته أو تأجيله إلى أجل غير مسمى.
و #أتخيّل، من باب السخرية السوداء التي يفرضها هذا الواقع، أنه حتى بعد الموت قد يُنصَب تمثال على قبر الرئيس، ويُكتب عليه: «هنا يرقد جثمان الرئيس المنتخب الدائم»، ثم يُطلب من الأجيال أن تعيش على ذكراه، لا على إرادتها، وأن تستمد شرعيتها من اسمه، لا من أصواتها.
#قبر يحمل مفارقة وطنٍ لم يُمنح فيه الشعب حق اختيار رئيسه، حتى يصبح السؤال عن التفويض أكبر من حياة صاحبه ومماته.
فهل يُعقل أن يبقى لقب «الرئيس المنتخب» قائمًا إلى الأبد، بينما يظل الصندوق الانتخابي غائبًا، وتبقى إرادة الناس معلّقة بقرار من يفترض أنه يستمد شرعيته منهم؟
وأنا هنا أتحدث عن غزة على وجه الخصوص، لأنني من غزة، ولأن السؤال بالنسبة إليّ ليس ترفًا سياسيًا ولا سجالًا بين خصوم، بل سؤال إنسانة ترى وطنها يُدمَّر، وأهلها يُهجَّرون، واحتياجاتهم الأساسية تتراكم، ثم تجد نفسها مضطرة إلى سؤال رئيس سلطتها: ماذا قدّمت لنا خلال سنوات بقائك في هذا الكرسي؟ ما الذي أنجزته لنا ويمنحك الحق في الاستمرار من دون العودة إلى أصواتنا؟
أين مصلحة غزة في قراراتكم؟ وأين دور القيادة التي يُفترض أن تجمع الوطن لا أن تديره وفق مقاسات الولاء والانتماء؟
كيف يمكن تبرير تقسيم الناس إلى موالين ومتهمين بالتجنّح، وشرعنة إقصاء فريق، فيما يُترك فريق آخر خارج الحسابات؟ وإذا عجزت القيادة عن لمّ شمل البيت الفتحاوي، وعن بناء مساحة سياسية تتسع لأبنائه المختلفين، فكيف ستنجح في توحيد وطنٍ أنهكته الانقسامات، وإعادة بناء مؤسساته على أساس الشراكة والمساءلة؟
إلى متى سيبقى الرئيس وحاشيته ممسكين بحبل يلتفّ على رقاب الناس، فيما تتراجع حقوقهم وتضيق أمامهم سبل الاعتراض والتغيير؟ ومن يحاسب مؤسسات السلطة عن الفساد والإخفاقات، إذا كانت هذه المؤسسات تعمل تحت جناح القيادة، ولا يجد المواطن أمامه مساءلة حقيقية أو مسؤولًا يتحمل نتائج ما يجري؟
إن الشرعية لا تُستمد من القرارات المجحفة، ولا من طول البقاء في المنصب، ولا من السيطرة على المؤسسات.
الشرعية تستمدها القيادة من أصوات الناس، لا من قراراتها، ومن التفويض الشعبي، لا من احتكاره.
والشعب الذي يعرف أن حقه قد سُلب، يعرف أيضًا أن هذا الحق لا يسقط بالتقادم، وأن المطالبة به ليست خروجًا على الشرعية، بل دفاع عنها.
بصراحة، لم أتفاجأ بقرار التأجيل، ولم أكن وحدي ممن توقعوه.
لكنني صُدمت رغم يقيني بأن التأجيل قادم، لأن جزءًا مني ظلّ يأمل أن يستيقظ الضمير السياسي للحظة، وأن يتوقف هذا المسار الذي أراه مصادرةً متكررة لحق الشعب في اختيار قيادته، وسرقةً للتفويض الذي لا يمنحه إلا صندوق الاقتراع.
نحن نطالب الرئيس بالرجوع عن قراره، وندعو الشباب الفلسطيني، في غزة والضفة وسائر أماكن وجودهم، إلى رفع أصواتهم دفاعًا عن حقهم الديمقراطي، والتمسك بحقهم في انتخابات حقيقية تتيح لهم اختيار ممثليهم بحرية.
فالصمت لا يعيد حقًا، والبيانات وحدها لا تنتزع قرارًا، والكلمات، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى موقف مدني سلمي يترجمها إلى فعل.
علينا ألّا نقبل أن يصبح التأجيل قاعدة، وأن تتحول الانتخابات إلى وعد مؤجل، وأن يُعامل الشعب بوصفه متلقيًا للقرارات لا مصدرًا للسلطة.
من حقنا أن نطالب بالمحاسبة، ومن حقنا أن نرفض مصادرة إرادتنا، ومن حقنا أن نكون شركاء في تقرير مستقبل وطننا.
الصندوق هو المفوِّض، والشعب هو مصدر الشرعية، ولا أحد يملك أن يحلّ نفسه محل إرادة الناس إلى الأبد.
حقنا لا يُستجدى، ولا يسقط بالصمت، ولا يُستعاد بالشعارات وحدها، بل بموقف شعبي سلمي، واعٍ ومنظّم، يطالب بالديمقراطية والمساءلة، ويصرّ على أن يكون للشعب صوتٌ مسموع وقرارٌ محترم.
#لا تفويض لمن يسرق حقنا.