علاء عبد ربه يفكّك القوة الناعمة ويكشف الوجه الهادئ للنفوذ الإسرائيلي
بقلم: شريف الهركلي
علاء عبد ربه يفكّك القوة الناعمة ويكشف الوجه الهادئ للنفوذ الإسرائيلي
الكوفية في زمنٍ تتراجع فيه الضوضاء أمام الفعل الهادئ، وتُدار فيه الصراعات الكبرى خارج فوهات البنادق، تبرز القوة الناعمة بوصفها السلاح الأذكى في العلاقات الدولية. ومن قلب غزة، وتحت وطأة حربٍ وكارثةٍ إنسانية، قدّم الباحث الفلسطيني علاء جابر عبد ربه رسالة ماجستير نوعية، تُحاكي واحدة من أخطر أدوات النفوذ الإسرائيلي في العالم المعاصر، تحت عنوان:
«القوة الناعمة الإسرائيلية تجاه منطقة الغرب الإفريقي (2009–2023)».
هذه الدراسة، التي أُنجزت ضمن برنامج ماجستير الدبلوماسية والعلاقات الدولية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة الأقصى، وبإشراف الدكتور إبراهيم يوسف عبيد أستاذ العلاقات الدولية المشارك، لم تكن جهدًا أكاديميًا تقليديًا، بل محاولة واعية لفهم كيف تتحرك إسرائيل خارج مسرح الصراع المباشر، وتعيد تموضعها في فضاءات بعيدة عن الجغرافيا الفلسطينية، مستثمرة العلم والتكنولوجيا والدبلوماسية بدل الدبابات والطائرات.
ينطلق الباحث في رسالته من تأصيلٍ نظريٍّ دقيق لمفهوم القوة الناعمة، محددًا مصادرها وخصائصها وأدواتها، قبل أن ينتقل إلى إسقاط هذا الإطار على التجربة الإسرائيلية في الغرب الإفريقي. فإسرائيل – كما تكشف الدراسة – لم تدخل هذه المنطقة صدفة، بل عبر استراتيجية مدروسة، استغلت فيها حاجات دول تعاني من الفقر التنموي، وضعف البنى التحتية، وغياب الشركاء الدوليين الجادين.
وتُظهر الرسالة أن إسرائيل نجحت، إلى حدٍّ ملحوظ، في التغلغل الناعم داخل الغرب الإفريقي عبر أدوات سياسية ودبلوماسية تمثلت في بناء علاقات مباشرة مع النخب الحاكمة، واستضافة وتدريب كوادر سياسية وأمنية داخل إسرائيل، إلى جانب أدوات اقتصادية وتجارية ركزت على قطاعات حيوية كـالزراعة الحديثة والطاقة الشمسية والاتصالات، فضلًا عن توظيف التكنولوجيا وصناعة صورة ذهنية لإسرائيل بوصفها «دولة ابتكار» قادرة على تقديم حلول عملية لمشكلات التنمية.
والنتيجة، كما خلصت الدراسة، لم تكن اقتصادية فحسب، بل سياسية بامتياز، إذ انعكس هذا النفوذ الناعم على سلوك عدد من الدول الإفريقية داخل المحافل الدولية، لا سيما في ما يتعلق بالتصويت لصالح إسرائيل، أو تخفيف حدّة المواقف الداعمة للقضية الفلسطينية.
الأخطر في نتائج الرسالة لا يكمن فقط في نجاح إسرائيل، بل في الغياب العربي شبه الكامل عن هذه الساحة، وهو فراغ استراتيجي سمح لإسرائيل بالتمدد بهدوء، دون منافسة حقيقية، ودون مشروع عربي واضح يخاطب إفريقيا كشريك استراتيجي لا كهامش سياسي. وتحذّر الدراسة من أن استمرار هذا الغياب يُهدد الأمن القومي العربي، ويُضعف العمق الإفريقي التاريخي الداعم لفلسطين، داعيةً إلى تحرك عربي جاد يقوم على الفعل لا الخطاب.
ولا يمكن فصل هذه الرسالة عن سياقها الزمني والوطني؛ فقد كُتبت ونوقشت في زمن حربٍ وحصارٍ وانهيارٍ شبه كامل لمقومات الحياة في غزة، ومع ذلك خرجت لتؤكد أن الشعب الفلسطيني لا يُنتج الألم فقط، بل يُنتج المعرفة أيضًا، وأن البحث العلمي يُعدّ شكلًا متقدمًا من أشكال المقاومة الهادئة والفعل السيادي.
وانطلاقًا من أهميتها العلمية والبحثية، أوصت لجنة الحكم بضرورة نشر الرسالة العلمية، لما تحمله من قيمة معرفية عالية، ولما تقدمه من قراءة استراتيجية معمّقة لأحد أخطر أنماط النفوذ في العلاقات الدولية المعاصرة، ولما تفتحه من أفق بحثي أمام الدارسين وصنّاع القرار.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة الملحّة إلى إنشاء مراكز بحث عربية متخصصة بالدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه)، لا تكتفي بإنتاج المعرفة، بل تستثمر نتائجها وتوصياتها في صياغة سياسات واقعية، تُلامس الأرض، وتتمرّد على الأحلام الحبيسة بين السطور، لتتحول إلى فعل وتأثير.
إن رسالة علاء عبد ربه ليست مجرد دراسة أكاديمية، بل جرس إنذار ناعم، يذكّر بأن المعارك الحديثة لا تُخاض دائمًا بالسلاح، وأن من لا يمتلك المعرفة، يُدار في العالم ولو امتلك الحق.
في زمن القوة الناعمة…
إمّا أن نقرأ العالم كما هو،
أو نُدار فيه معصوبي الأعين، ندور في ساقية الوهن السياسي دون أن نشعر.