نشر بتاريخ: 2026/08/24 ( آخر تحديث: 2026/08/24 الساعة: 23:37 )

اتجاهات القوى الفلسطينية والمكونات المجتمعية والشعبية والمستقلين.. من معركة القوائم إلى إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني

نشر بتاريخ: 2026/08/24 (آخر تحديث: 2026/08/24 الساعة: 23:37)

الكوفية أولًا: مقدمة — الانتخابات في لحظة إعادة تشكيل فلسطين

لا تأتي الانتخابات الفلسطينية المقبلة في سياق ديمقراطي طبيعي، ولا في دولة مستقلة تمتلك سيادتها على إقليمها ومؤسساتها وحدودها، وإنما تجري في واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في التاريخ السياسي الفلسطيني الحديث؛ تحت وطأة الاحتلال، والإبادة التي تعرض لها قطاع غزة، والدمار الواسع، والاستيطان والضم الاستعماري والتهويد والتهجير في الضفة الغربية والقدس، وفي ظل انقسام سياسي وجغرافي ممتد، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتعطل الانتخابات الرئاسية والوطنية، وتراجع القدرة على تجديد الشرعية السياسية بصورة شاملة.

ولهذا فإن التعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد منافسة بين قوائم على مقاعد المجلس التشريعي سيكون اختزالًا شديدًا للمشهد. فالانتخابات المقبلة قد تكون، في جوهرها، معركة على إعادة تعريف النظام السياسي الفلسطيني ذاته: من يملك الشرعية؟ ومن يمثل الشعب؟ وما طبيعة السلطة؟ وما موقع منظمة التحرير؟ وما مستقبل غزة؟ وما العلاقة بين المقاومة والسياسة؟ وكيف يمكن إعادة توحيد الضفة وغزة والقدس ضمن نظام سياسي واحد؟ وهل تكون الانتخابات مدخلًا لاستعادة المبادرة الوطنية، أم آلية لإعادة إنتاج النظام القائم بصورة أكثر قبولًا دوليًا؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن الانتخابات الفلسطينية تتقاطع مع تحولات أمريكية وإسرائيلية وإقليمية ودولية أوسع، ومع ترتيبات مطروحة لمستقبل قطاع غزة، بما فيها أفكار تتصل بإدارة انتقالية، وإعادة الإعمار، ولجنة إدارة القطاع، وقوة استقرار دولية، و«مجلس السلام»، وإعادة إصلاح السلطة الفلسطينية. ومن ثم فإن الصندوق الفلسطيني لا يعمل في فراغ؛ بل يوجد داخل بيئة تسعى فيها قوى متعددة إلى تحديد شكل فلسطين المقبلة قبل أن يتمكن الفلسطينيون أنفسهم من إعادة تحديده.

ومن هنا تنطلق هذه الورقة من فرضية مركزية بان:المعركة الحقيقية في الانتخابات المقبلة ليست معركة مقاعد، بل معركة على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وعلى ما إذا كان الشعب الفلسطيني سيستعيد زمام المبادرة أم ستستمر عملية إعادة تشكيل واقعه من خارجه.

ثانيًا: ثلاثة صناديق انتخابية ومشهد فلسطيني واحد

تتزامن الانتخابات الفلسطينية مع تحولات انتخابية أمريكية وإسرائيلية، بما يجعل المشهد جزءًا من دورة سياسية أوسع تتقاطع فيها ثلاثة صناديق انتخابية ومصالح ثلاثة مستويات مختلفة من القوة.

الصندوق الأمريكي يؤثر في اتجاه السياسة الدولية تجاه إسرائيل وفلسطين، وفي طبيعة التعامل مع حرب غزة وإعادة الإعمار ومستقبل القطاع والسلطة الفلسطينية، وفي حدود الضغط على إسرائيل أو منحها مساحة للمناورة. أما الصندوق الإسرائيلي فيعيد إنتاج الحكومة والقوى التي تحدد طبيعة التعامل مع غزة والضفة والقدس والاستيطان والضم والدولة الفلسطينية. بينما يفترض أن يكون الصندوق الفلسطيني هو الأداة التي يعبر من خلالها الشعب عن إرادته السياسية ويختار ممثليه ويعيد بناء مؤسساته.

لكن المفارقة أن الفلسطينيين قد يجدون أنفسهم أمام خطر أن تحدد الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، إلى حد كبير، بيئة الخيارات المتاحة لهم، بينما تنحصر الانتخابات الفلسطينية في اختيار من يدير نظامًا سياسيًا مقيدًا بالاحتلال وباتفاقيات وترتيبات دولية وإقليمية وبموازين قوة لا يملك الفلسطينيون السيطرة الكاملة عليها.

ومن هنا يجب ألا يكون السؤال الفلسطيني: من سيفوز بالمقاعد؟ بل: كيف نستخدم الانتخابات لاستعادة القدرة الفلسطينية على تحديد مستقبل فلسطين؟

ثالثًا: انتخابات تحت الإبادة والضم والتهويد — شرعية إجرائية أم بداية لاستعادة الإرادة؟

تجري الانتخابات في ظل واقع استعماري لا يزال يفرض نفسه على الجغرافيا الفلسطينية. ففي الضفة الغربية يتواصل الاستيطان ومصادرة الأراضي والتقطيع الجغرافي والاقتحامات والاعتقالات والتهجير، فيما تتعرض القدس لسياسات متصاعدة تستهدف الوجود والهوية والتمثيل الفلسطيني. أما غزة، فتخرج من حرب مدمرة وهي تواجه تحديات إعادة الإعمار والحكم والأمن والسلاح والمساعدات والوجود الدولي.

وهنا يبرز اعتراض جوهري عبّر عنه بعض الأصوات الفلسطينية، ومضمونه أن الانتخابات قد تنتج شرعية إجرائية دون أن تنتج سيادة؛ أي أن الشعب ينتخب مجلسًا، لكن المجلس لا يملك بالضرورة القدرة على التحكم في الأرض أو الحدود أو الأمن أو الموارد أو حركة المواطنين.

وهذا الاعتراض جدي ويجب ألا يُستهان به.

فالانتخابات تحت الاحتلال ليست انتخابات سيادية بالمعنى الكامل، لكنها مع ذلك ليست بلا قيمة. الفرق الأساسي هو بين القول إن الانتخابات لا تحقق السيادة، وبين القول إنها لا تحقق الشرعية.

الانتخابات لا تنهي الاحتلال، لكنها تستطيع أن تعيد إنتاج شرعية وطنية ديمقراطية أكثر قوة وقدرة على مواجهة الاحتلال.

ولهذا فإن التحدي ليس في الاختيار بين الانتخابات والسيادة، وكأن أحدهما يلغي الآخر، وإنما في تحويل الانتخابات من مجرد إجراء إداري لتجديد مجلس تشريعي إلى أداة لإعادة بناء القدرة الوطنية التي تستطيع خوض معركة إنهاء الاحتلال. فالخطر الحقيقي لا يكمن في أن تكون الانتخابات محدودة السيادة، وإنما في أن تكون محدودة الهدف.

رابعًا: سقف الانتخابات — بين الواقعية السياسية وخطر إعادة إنتاج النظام

تواجه الانتخابات إشكالية أساسية تتعلق بالسقف السياسي والقانوني الذي تجري تحته. فالنظام السياسي الفلسطيني الذي تشكل منذ أوسلو لم يعد قادرًا، بصورته الحالية، على الاستجابة للتحديات التي يوجهها الشعب الفلسطيني.

لقد تغيرت الوقائع بصورة عميقة: إسرائيل توسعت استيطانيًا، والضم الفعلي يتقدم، والقدس تتعرض لسياسات تهويد ممنهجة، وغزة أصبحت مسرحًا لدمار هائل وترتيبات دولية معقدة، بينما بقي النظام السياسي الفلسطيني منقسمًا وغير قادر على تجديد شرعيته بصورة شاملة.

ولهذا فإن إجراء انتخابات تشريعية فقط، من دون معالجة الرئاسة ومنظمة التحرير والمجلس الوطني وتوحيد مؤسسات غزة والضفة، قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته: تجديد الشرعية الجزئية مع بقاء الأزمة البنيوية للنظام، وهنا تكمن إحدى أهم مخاطر الانتخابات المقبلة.

وان كان المقصود والمطلوب هنا ليس رفض الانتخابات لأنها تجري ضمن سقف سياسي مقيد، وإنما توسيع وظيفة الانتخابات بحيث تصبح نقطة انطلاق لإعادة بناء النظام السياسي، بدل أن تكون وسيلة لإعادة تدوير النظام نفسه.

خامسًا: لماذا اختُزل المسار من مشروع تجديد شامل إلى انتخابات تشريعية؟

كان المنطق السياسي الذي رافق بعض التصورات الأولى يتجه نحو إعادة ترتيب أوسع للشرعية الفلسطينية، بما يشمل الانتخابات الرئاسية والتشريعية وإعادة بناء المجلس الوطني ومنظمة التحرير، قبل أن يتقلص المسار عمليًا إلى الانتخابات التشريعية، وهذا التحول ليس تفصيلًا إجرائيًا، فحين تذهب القوى الفلسطينية إلى انتخابات تشريعية فقط، وفق المرسوم الانتخابي القائم وإرادة الرئيس بشكل انفرادي ، وتحت سقف النظام السياسي الحالي، فإنها تدخل عمليًا إلى ملعب جرى تحديد قواعده مسبقًا. وتزداد المشكلة إذا لم يترافق ذلك مع تصور واضح لما بعد الانتخابات: متى تجري الانتخابات الرئاسية؟ كيف يعاد تشكيل او انتخاب المجلس الوطني؟ كيف تعاد بناء منظمة التحرير؟ كيف توحد المؤسسات؟ وكيف يتم دمج غزة والضفة ضمن نظام سياسي واحد؟

إن غياب هذه الإجابات قد يجعل الانتخابات محطة لتجديد المجلس التشريعي، وليس مدخلًا لإعادة تأسيس النظام.ولهذا فإن الورقة هنا لا تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، بل إلى ربط المشاركة فيها بعقد ورؤية سياسية وطنية لما بعد الانتخابات.

سادسًا: غزة والقدس والاحتلال — ثلاث عقد لا يجوز أن تصبح ذريعة لإلغاء الانتخابات

تواجه الانتخابات ثلاث مسائل حاسمة: غزة، والقدس، والاحتلال، ففي غزة، لا بد أن تكون المشاركة الانتخابية جزءًا من عملية توحيد سياسي ومؤسسي، لا مجرد إضافة جغرافية إلى العملية الانتخابية. وفي القدس، يجب عدم السماح لإسرائيل بأن تحول سيطرتها على المدينة إلى حق في تقرير من يحق له المشاركة السياسية الفلسطينية. وفي الضفة الغربية، ينبغي معالجة أثر الحواجز والاعتقالات والاقتحامات والاستيطان والضم وتدخل الاحتلال على حرية الناخبين والمرشحين.وهنا ينبغي اعتماد معادلة دقيقة:لا انتخابات مكتملة دون غزة والقدس، وفي الوقت نفسه لا يجوز منح الاحتلال حق الفيتو على الديمقراطية الفلسطينية.

ولذا يجب إعداد خطة فلسطينية مسبقة للتعامل مع تحديات الاحتلال والقوة القاهرة، تتضمن بدائل قانونية وتقنية وسياسية، بما فيها وضع صناديق الاقتراع في المساجد والكنائس، و تطوير التسجيل والتصويت الإلكتروني حيث تسمح المعايير القانونية والفنية والأمنية، وضمان استكمال العملية في المناطق التي يمنع الاحتلال الوصول إليها، وتدويل أي اعتداء على العملية الانتخابية، وعدم السماح بتحويل العرقلة الإسرائيلية إلى ذريعة لإلغاء الاستحقاق الديمقراطي كله.

سابعًا: الانتخابات ليست انتقامًا من أحد

من أخطر ما يمكن أن يحدث أن تتحول الانتخابات إلى محكمة انتقامية للفصائل، أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات مع حماس أو فتح أو غيرهما، فالانتخابات يجب أن تكون محاسبة ومسالة شعبية ديمقراطية لا محكمة ثأرية.

فالشعب من حقه أن يحاسب كل طرف على سياساته وأخطائه ونتائج قراراته، لكن المحاسبة السياسية لا تعني الانتقام، ولا يجوز أن تتحول مسؤولية أي فصيل إلى ذريعة لإلغاء حق جمهوره في المشاركة، وبالمقابل، فإن حماية الحق في المشاركة لا تعني إعفاء أي طرف من المسؤولية السياسية أو القانونية، وهذه قاعدة جوهرية: لا إقصاء انتخابيًا انتقاميًا، ولا حصانة سياسية انتخابية.

فحماس مطالبة بتحمل مسؤولية تجربتها وقراراتها في الحكم والمقاومة، وتفردها في إدارة قطاع غزة والانتهاكات الداخلية، وفتح مطالبة بمراجعة سنوات التفرد والانقسام والفساد وسوء الإدارة والانتهاكات وتعطيل المؤسسات، وسائر القوى مطالبة كذلك بمراجعة أدوارها ومواقفها.

ثامنًا: اتجاهات الرأي العام — الجمهور يريد التغيير لكنه لم يحسم طريقه

تكتسب اتجاهات الرأي العام أهمية خاصة في فهم الخريطة الانتخابية، ولا سيما في ضوء القراءة التي تقدمها بعض استطلاعات الراي، والتي تشير، بحسب العرض المتداول لنتائجه، إلى تراجع شعبية حركة حماس وعدم بقائها القوة الأولى، وإلى أن هذا التراجع بدأ بصورة أوضح مع التوصل إلى الاتفاقات الأخيرة.

وتشير القراءة نفسها إلى أن حركة فتح لم تتمكن حتى الآن من تحويل تراجع حماس إلى مكسب انتخابي مماثل، كما وتشير القراءات الي ارتفاع حضور بعض القوي الأخرى ونسبة المترددين وبما يعكس حالة انتظار وعدم حسم لدى قطاعات واسعة من الجمهور.

وإذا صحت هذه المؤشرات في الاتجاه العام، إنما تشير إلى شيء أكثر أهمية: بان الجمهور يعاقب أو يعيد تقييم القوى القائمة، لكنه لم يمنح بعد تفويضًا واضحًا لبديل واحد.

وهذه هي المساحة السياسية الأهم التي يمكن أن تتحرك فيها القوائم الوطنية والإصلاحية والمجتمعية.

تاسعًا: مليون واربعمائة ألف ناخب جديد — الجيل الذي لم يصنع الأزمة ويريد تغييرها

من أهم المتغيرات الانتخابية دخول كتلة كبيرة من الناخبين الشباب الذين لم يكونوا جزءًا من الاستقطابات القديمة أو لم يشاركوا فيها بصورة مباشرة، حيث بلغ عدد الناخبين المسجلين في الانتخابات التشريعية الفلسطينية لعام 2006 1,341,671 ناخباً وناخبة، فيما تجاوزعدد المسجلين 1.6 مليون ناخب وناخبة في الضفة الغربية، إضافة الي أكثر من مليون ناخب في قطاع غزة ونحو 140 إلى 150 ألف مقدسي يُتوقع أن يحق لهم التصويت، ما يعني اقتراب عدد الناخبين الجدد من نحو 1.400.000 ناخب، وهو رقم إذا تأكدت معطياته النهائية يمثل كتلة سياسية لا يمكن لأي قائمة تجاهلها.

هؤلاء الشباب لم يصنعوا الانقسام، ولم يقرروا سياسات وقرارات السنوات الماضية، لكنهم دفعوا ثمنها من مستقبلهم وفرصهم وحياتهم وأمنهم وتعليمهم وعملهم.

ومن المرجح أن يكون السؤال بالنسبة إلى نسبة معتبرة منهم أقل ارتباطًا بـ«فتح أم حماس؟» وأكثر ارتباطًا بـ: من يستطيع أن ينقذ فلسطين؟ ومن يستطيع أن يوقف الانقسام؟ ومن يستطيع إعادة الإعمار؟ ومن يستطيع حماية الناس وتوفير الحياة الكريمة لهم ؟ ومن يستطيع بناء نظام سياسي جديد؟ وهنا تصبح القدرة على تقديم مشروع للمستقبل أهم من القدرة على الدفاع عن الماضي.

عاشرًا: الخريطة الانتخابية المحتملة — خمسة قوى رئيسية ومساحات متحركة

بحسب القراءة والمعلومات المتداولة، وفي حال إجراء الانتخابات وفق السيناريوهات الحالية، يمكن أن تتشكل الخريطة الانتخابية من خمسة كتل رئيسية متنافسة، مع ضرورة التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مؤشرات اولية وليست نتائج نهائية.

القوة الأولى: تتمثل في قائمة فتح الرسمية أو الموحدة، مع تقديرات تدور حول نحو 20% -30% في بعض السيناريوهات.

القوة الثانية: القوة الثانية تتمثل في تحالف وطني أو إسلامي يمكن أن يضم حماس وقوى وشخصيات وطنية ومجتمعية أخرى والتقديرات تشير الي حصولها على ما نسبته 20%-30%.

القوي الثالثة: يمكن أن تتمحور حول شخصية أو قائمة يقودها تيار الاصلاح الديمقراطي وقائدة محمد دحلان مع المعارضين في حركة فتح وشخصيات وكفاءات وطنية ومجتمعية واقتصادية تحظي بثقة المجتمع وتشير القراءة المتداولة إلى قدرة قائمته المحتملة على الحصول على نسبة مرتفعة من أصوات الشباب والمجتمع خاصة في قطاع غزة بما يمكن القائمة من الحصول على نسبة تقارب 15%-25% .

أما القوة الرابعة: فتتمثل في القوى اليسارية والديمقراطية والمستقلة والمجتمعية "العشائرية"، التي قد تحصل منفردة أو مجتمعة على نسبة تقارب 10% وفق السيناريو المطروح، حيث يظل اليسار الفلسطيني، وفق هذه القراءة، أقل قدرة على تشكيل قوة منفردة ما لم يدخل في تحالف أوسع.

اما القوة الخامسة: قوائم متفرقة من المستقلين والعشائر والشباب والمعارضين لفتح وحماس تحصل هذه القوائم على ما نسبته 5% الى 10% وفقا للتقديرات.

القوة السادسة: هي تشكيل تحالف وطني او كتلة تاريخية مشكلة من حماس والجهاد والتيار الصلاحي والجبهة الشعبية والديمقراطية والمبادرة وشخصيات معارضة من فتح، وكفاءات وشخصيات وطنية واقتصادية واجتماعية وقانونية وشباب ونساء عندها تحصل القائمة اذا ما قدمت باعتبارها قائمة مجتمع على معظم أصوات المعارضة واصوات جزء كبير من المترددين والجمهور الانتخابي، لان الجميع يبحث عن الكتلة السياسية القادرة على تغيير قواعد اللعبة، وهنا تختلف الحسابات.

وان كان من المبكر حسم صورة القوائم الانتخابية في ضوء حالة السيولة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني والانقسامات الأفقية والعمودية والتحديات الخارجية والداخلية ، ولكن من الاهمية الإشارة الي ان الاعم من الأرقام والنسب والتوقعات هو الاستنتاج السياسي: بان المشهد لا يبدو ذاهبًا إلى أغلبية فصائلية صريحة بقدر ما يتجه إلى برلمان متعدد الكتل يحتاج إلى تحالفات سياسية بعد الانتخابات، وهذا يعزز فرضية «الكتلة التاريخية» أكثر مما يلغيها.

الحادي عشر: مروان البرغوثي — عامل انتخابي مهم

ينبغي التعامل مع احتمال دخول مروان البرغوثي المنافسة باعتباره عاملًا انتخابيًا مؤثرًا، دون تحويله إلى مركز وحيد للخريطة.

فوجود شخصية ذات رصيد شعبي تاريخي يمكن أن يغير معدلات المشاركة ويعيد توزيع أصوات الشباب والفتحاويين والمستقلين، وقد يؤثر في الرئاسة والتشريعي معًا.لكن قوة أي شخصية لا تعني تلقائيًا قدرتها على إعادة بناء النظام او مواجهة التحديات الوطنية والإنسانية ، ولهذا ينبغي ألا تُبنى الاستراتيجية الانتخابية على افتراض أن البرغوثي سيحل وحده أزمة فتح أو أزمة النظام، كما لا يجوز التقليل من وزنه الشعبي إذا قرر المشاركة بعيد عن القائمة الرسمية لحركة فتح .

الثاني عشر: فتح — القوة التاريخية المحملة بأعباء الحاضر

تظل فتح قوة سياسية مركزية، بحكم تاريخها وموقعها في منظمة التحرير والسلطة الوطنية وشبكاتها التنظيمية والاجتماعية، وبحكم امتلاكها مؤسسات السلطة وأدوات النفوذ السياسي والإداري، ولكن هذا الوزن التاريخي لا يلغي الأعباء المتراكمة عليها. فالحركة تدخل الانتخابات وهي تحمل إرث سنوات من الانقسام والتفرد، وأزمات الإدارة، والاتهامات بالفساد، وتراجع الثقة، وحل المجلس التشريعي، والقيود على الحريات، والانقسام الداخلي، وغياب الاهتمام بقطاع غزة والقدس، والخلاف على مستقبل القيادة، إضافة إلى صراع الأجنحة والتيارات داخلها.

كما أن جزءًا من المشكلة يتمثل في أن فتح لم تستطع حتى الآن، وفق المؤشرات المتداولة، الاستفادة بصورة كاملة من تراجع شعبية حماس، وهذا يعني أن مجرد امتلاك السلطة لا يضمن امتلاك المستقبل.

الثالث عشر: «قائمة كل الوطن» — محاولة لتوحيد ملعب فتح والمنظمة

في ضوء التحركات السياسية المتداولة من السيد حسين شيخ والقاءات مع تيارات فتح وقوي اليسار في القاهرة ، برز حديث عن مسعى لتشكيل قائمة واسعة باسم «قائمة كل الوطن»، تضم مكونات من فتح وقوى منظمة التحرير وشخصيات أخرى، في سياق حوارات سياسية مرتبطة بالسيد حسين الشيخ وآخرين.

وينبغي التعامل مع هذا الطرح في هذه المرحلة باعتباره اتجاهًا سياسيًا قيد التشكل وليس نتيجة محسومة، فإذا كانت القائمة تهدف إلى جمع القوائم الفتحاوية وفصائل منظمة التحرير تحت مظلة واحدة، فإنها قد تمثل محاولة لإعادة توحيد المجال السياسي التقليدي حول القيادة القائمة.

لكن نجاحها لا يتوقف على جمع أسماء الفصائل، بل على قدرتها على الإجابة عن سؤال جوهري:

هل هي قائمة لتجديد النظام، أم قائمة لتجديد النظام القائم؟ فإذا كانت مجرد إعادة تجميع للقوى الموجودة حول الرئاسة ومؤسسات السلطة، فقد تكون قادرة على المنافسة لكنها لن تعالج جوهر الأزمة.

أما إذا ارتبطت بعقد واضح لاستكمال الانتخابات الرئاسية وإعادة بناء منظمة التحرير وانتخاب المجلس الوطني وتوسيع الشراكة، فإنها قد تتحول إلى مشروع سياسي أكثر اتساعًا، وهذا هو الاختبار الحقيقي.

الرابع عشر: دحلان والتيار الإصلاحي — من المنافسة على المقاعد إلى تغيير المشهد

يختلف موقع محمد دحلان وتيار الإصلاح الديمقراطي عن مجرد كونهما طرفًا انتخابيًا يريد الحصول على عدد من المقاعد، فالمعادلة السياسية المرتبطة بدحلان، تتجاوز صندوق الانتخابات إلى القدرة على الحركة في المجال العربي والإقليمي والدولي، وعلى التواصل مع أطراف متعددة، وعلى العمل في ملف غزة، ودعم الحوكمة وإدارة الفترة الانتقالية، وإعادة الإعمار والمساعدات، تعزيز صمود الناس في الضفة والقدس ، مواجهة التفرد ، وعلى بناء قنوات سياسية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم مقعدًا يستطيع دحلان أن يحصل عليه؟ فهو قادر على تشكيل قائمة من تيار الإصلاح الديمقراطي مع شخصيات وطنية ومجتمعية واقتصادية تحطي بثقل في البرلمان القادم.

بل: هل يستطيع تحويل وزنه وعلاقاته وقدرته على الحركة إلى مشروع للنهوض وإعادة بناء النظام؟ وهنا يجب الفصل بين الشخص والمشروع. فالنجاح الحقيقي لا يكون في أن يصبح دحلان بديلًا عن فتح أو عن حماس، وإنما في أن يكون جزءًا أساسيا من كتلة وطنية أوسع تتجاوز أخطاء السلطة وأخطاء حماس، وتجمع بين الواقعية السياسية والقدرة على الفعل، وبين حماية المقاومة وحماية المجتمع وحماية الحقوق الوطنية.

وفي هذا السياق يمكن لعلاقات دحلان العربية والدولية، إذا وُظفت ضمن دعم فلسطيني أن تساعد في توفير دعم إنساني وإعماري وسياسي، وضمانات تحول دون الانزلاق إلى انتقام داخلي، وفتح قنوات مع أطراف لا تستطيع بعض الفصائل التواصل معها، ولإزالة التخوفات والادعاءات يجب ان تكون هذه التحركات تحت سقف الشركة الوطنية ولاحقا المؤسسات المنتخبة، وهذا تقوله تحركات دحلان المجازفة في خسارة مقاعد انتخابية مقابل إعادة تغيير قواعد اللعبة السياسية الداخلية وإعادة بناء النظام السياسي بما يمكنه من مواجهة التحديات الوطنية والإنسانية.

الخامس عشر: التحالف الانتخابي الأوسع — من حماس إلى القوى الديمقراطية والشخصيات الوطنية

في المقابل، يبرز احتمال تشكل تحالف انتخابي أوسع من الثنائية التقليدية، يمكن أن يضم حماس، وتيار الصلاح الديمقراطي والجهاد الإسلامي، والجبهتين الشعبية والديمقراطية، والمبادرة، ولجان المقاومة الشعبية، وشخصيات وطنية مثل ناصر القدوة وسلام فياض، وشخصيات مستقلة ومكونات شعبية ومجتمعية، وفق ما تسمح به التوافقات والظروف السياسية.

وهذا التحالف، إذا تشكل، لن يكون بالضرورة تحالفًا أيديولوجيًا متجانسًا، وإنما قد يكون تحالفًا انتخابيًا وظيفيًا يجمع قوى مختلفة حول هدف مواجهة التفرد وإعادة تشكيل النظام، فهذا الاتجاه لا ينطلق بالضرورة من الرغبة في إسقاط فصيل بعينه، وإنما من محاولة بناء مساحة سياسية جديدة تضع الانتخابات ضمن مشروع تغيير أوسع، وهنا تكمن قوه التحالف ومشكلته في الوقت نفسه. فقوته تأتي من اتساع قاعدته، ومشكلته تأتي من تحمل التحالف وز المواقف والقرارات السياسيات المتخذة من مكوناته خلال الفترة السابقة، عدا عن التباين الكبير بين مكوناته في ملفات المقاومة والبرنامج السياسي والعلاقة مع المجتمع الدولي، ومستقبل السلطة ومنظمة التحرير والدولة، ولهذا فإن نجاحه يتوقف على قدرته على الاتفاق على برنامج حد أدنى لا يلغي الاختلافات لكنه يمنعها من تفجير التحالف.

السادس عشر: حماس — المشاركة السياسية ومسؤولية المراجعة

حسم حماس مشاركتها في الانتخابات، وفق المعطيات السياسية المتداولة، ضمن ائتلاف وطني واسع تسعى إلى تشكيله مع قوى أخرى، وهو تطور مهم لأنه يضع الحركة داخل المجال الانتخابي بدل أن تبقى خارجه، ولكن مشاركة حماس تطرح معادلة مزدوجة.

فمن جهة، يمثل إدماجها في العملية الديمقراطية خطوة ضرورية لمنع الإقصاء وتحويل الصراع الفلسطيني إلى مواجهة صفرية. ومن جهة أخرى، فإن المشاركة لا تعني إسقاط المسؤولية السياسية عن الحركة، وان كان الجمهور هو الذي يقرر وزنها، وهو الذي يستطيع محاسبتها انتخابيًا. وإذا كانت مؤشرات الرأي العام الأخيرة تعكس فعلًا تراجعًا حادًا في الثقة بها، فإن ذلك ينبغي أن يُقرأ بوصفه رسالة سياسية ينبغي للحركة أن تتعامل معها بالمراجعة لا بالإنكار.

وهنا يجب ان يكون الهدف الوطني رفض «إقصاء حماس او الانتقام منها» و انما العمل من اجل التحول الى العمل السياسي، والاندماج ضمن منظومة سياسية فلسطينية موحدة والانضواء تحت مظلة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ،و المشاركة في الحياة السياسية والانتخابات المقبلة من خلال قوائم وطنية موحدة أو ائتلافية بدلاً من طرح نفسها ككيان مستقل ومقاوم، ولضمان تنسيق الجهود لتوحيد إدارة قطاع غزة والضفة الغربية تحت قيادة موحدة، بما يضمن إخراج النظام السياسي من منطق الاحتكار والثنائية والاستقطاب الفئوي إلى منطق التوافق الديمقراطي والشراكة.

السابع عشر: اليسار الفلسطيني — قوة لا تكفي وحدها لكنها ضرورية للكتلة التاريخية

تواجه القوى اليسارية والديمقراطية تحديًا مزمنًا يتمثل في محدودية قدرتها على خوض الانتخابات منفردة وتحويل رصيدها السياسي والتاريخي إلى قوة برلمانية كبيرة. لكن هذا لا يعني تراجع أهميتها. فاليسار يمتلك قيمة سياسية وفكرية في ملفات الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية والقضية الوطنية، ويمكن أن يكون جزءًا أساسيًا من أي كتلة تاريخية واسعة، والمشكلة ليست في غياب الأهمية، وإنما في ضعف القدرات على تحويل الأهمية إلى وزن انتخابي. ومن هنا يصبح التحالف مع قوى أخرى، إذا قام على برنامج واضح، وسيلة لتحويل هذا الرصيد إلى تأثير مؤسسي.

الثامن عشر: القوى المجتمعية والشبابية والعشائرية والمستقلة — الكتلة الصامتة

لن يكون المشهد انتخابيًا فصائليًا بالكامل، فثمة مساحات واسعة من المجتمع قد تتجه إلى قوائم شبابية أو مهنية أو عشائرية أو محلية أو مستقلة، خصوصًا في ظل فقدان الثقة بالأطر التقليدية.

لكن مشكلة هذه القوائم تكمن في تشتت الصوت، ولا سيما إذا كان قانون الانتخابات يتضمن نسبة حسم قليلة ولكنها تحتاج الي تجاوزها ما يجعل القوائم الصغيرة غير قادرة على دخول المجلس، او دخول المجلس لبعضها دون ان تملك التأثير، ولهذا فإن ما يبدو تعددًا ديمقراطيًا قد يتحول، من الناحية العملية، إلى هدر لأصوات التغيير.

وهنا تظهر الحاجة إلى تحالفات مجتمعية واسعة تجمع المستقلين والكفاءات والشباب والنساء والشخصيات الوطنية حول برامج لا حول المحاصصة، هناك محاولة قيد التشكل تتمثل في الحراك الذي تقوده قوى وشخصيات وفعاليات مستقلة لتشكيل «الائتلاف من أجل التغيير» باعتبارها محاولة في عدم البقاء النخب أسيرة للثنائية التقليدية، ولكن من المبكر القول بنجاح هذا الائتلاف في الجمع بين القوى الديمقراطية والمجتمعية والشخصيات المستقلة والطاقات الشبابية، فان نجح في ذلك يمكن ان يصبح أحد المكونات الأساسية للكتلة التاريخية، بدل أن يكون مجرد قائمة إضافية تضاف إلى عشرات القوائم.

التاسع عشر : من تعدد القوائم إلى الكتلة التاريخية

المشكلة ليست في تعدد القوائم بحد ذاته، فالتعددية السياسية صحية، بل ضرورية، ولكن المشكلة أن تتحول التعددية إلى تشظٍ يمنع إنتاج أغلبية قادرة على الحكم والإصلاح السياسي مواجهة التحديات الوطنية، ومن هنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: القائمة الانتخابية: هدفها الحصول على المقاعد، اما التحالف الانتخابي: هدفه زيادة فرص الفوز.

اما الكتلة التاريخية: فهدفها تغيير قواعد النظام السياسي، وان كان ليس شرطا ان تكون قائمة انتخابية واحدة، فقد تكون مجموعة قوائم تتنافس في الانتخابات، ثم تتفق بعد النتائج على برنامج شامل لإعادة بناء النظام، وهذا ربما يكون أكثر واقعية من محاولة جمع الجميع في قائمة واحدة.

العشرون: الكتلة التاريخية — ليست ضد أحد بل لصالح المستقبل

لا ينبغي أن تتحول فكرة الكتلة التاريخية إلى مشروع لإسقاط حماس أو فتح أو دحلان أو البرغوثي أو أي طرف آخر، فهي كتلة للتغيير السياسي والنهوض الوطني لا للانتقام، وهي كتلة للتسامح الوطني، وإعادة بناء المستقبل، وفتح المجال أمام الجميع للمشاركة ضمن قواعد ديمقراطية، ومحاسبة الجميع وفقا للقانون. فالدرس المرير من انتخابات 2006 ليس أن الانتخابات كانت خطأ، وإنما أن القوى الفلسطينية والمجتمع الدولي لم يمتلكوا قواعد متفقًا عليها لإدارة نتائج الانتخابات.

ومن هنا يجب ألا تتكرر المعادلة، يفوز طرف، ثم يُحاصر، أو يفوز طرف، ثم يحتكر القرار، او يخسر طرف، ثم يرفض النتائج، بل يجب أن يكون هناك اتفاق مسبق على، الفوز لا يعني احتكار السلطة، والخسارة لا تعني الإقصاء.

كما أن الكتلة التاريخية يمكن أن تكون إطارًا للتعامل مع أخطاء المرحلة السابقة بمنطق مختلف عن الانتقام. فانتخابات 2006 وما أعقبها أثبتت أن الفوز الانتخابي وحده لا يكفي إذا لم توجد قواعد مسبقة لاحترام النتائج والشراكة ومنع الإقصاء الداخلي والخارجي.

ومن هنا فإن الكتلة التاريخية المطلوبة هي كتلة تغيير ومصالحة في الوقت نفسه: تغيير قواعد النظام، ومنع العودة إلى الاقتتال، وفتح المجال أمام حماس وغيرها للعمل السياسي ضمن قواعد ديمقراطية، مع عدم إعفاء أي طرف من المسؤولية السياسية والقانونية.

ويمكن أن تشمل هذه الكتلة، بحسب النتائج والتفاهمات، قوى فلسطينية متعددة وشخصيات وطنية ومستقلين ومكونات مجتمعية وشبابية.

ولكن الكتلة التاريخية ليست بالضرورة قائمة واحدة ، فمن الخطأ تصور الكتلة التاريخية باعتبارها قائمة انتخابية ضخمة تجمع الجميع، وان كان هذا ممكن ، ولكن من الأفضل أن تكون مفهومًا سياسيًا يسمح ايضا بتعدد القوائم مع اتفاقها على برنامج ما بعد الانتخابات.فقد تدخل مجموعة قوي وشخصيات في قائمة او تدخل قوائم متفرقة ومستقل؛ لكن بعد الانتخابات يمكن أن تتشكل كتلة تاريخية حول برنامج مشترك.وهنا تتحول المنافسة من:من يفوز على من؟ إلى: ماذا سنفعل بعد أن يقول الشعب كلمته؟

وهنا تظهر الوظيفة التاريخية للكتلة عبر إجبار النظام على استكمال الشرعية، حيث تكمن القيمة الحقيقية للكتلة التاريخية في قدرتها على تحويل الانتخابات التشريعية إلى ضغط سياسي ومؤسسي لاستكمال عملية الشرعية، فالهدف ليس إسقاط الرئيس ، ولا استبدال فتح بحماس، أو حماس بفتح، أو استبدال شخص بشخص، وانما فرض معادلة ديمقراطية: لا تشريعي بلا رئاسية، ولا سلطة موحدة بلا منظمة تحرير موحدة، ولا شرعية وطنية مكتملة بلا مجلس وطني منتخب أو مجدد ديمقراطيًا، ومن هنا تصبح الكتلة التاريخية قوة ضغط لإجراء الانتخابات الرئاسية، وإعادة تشكيل المجلس الوطني، وإصلاح منظمة التحرير، وتوحيد المؤسسات.

الحادي والعشرون: من انتخابات تشريعية إلى إعادة بناء النظام

إذا أجريت الانتخابات التشريعية فقط، فإنها لن تكون كافية، ولهذا ينبغي أن يتحول الضغط السياسي الذي تفرزه الانتخابات إلى مسار واضح، حكومة تستند إلى النتائج، انتخابات رئاسية، وإعادة انتخاب وتشكيل المجلس الوطني، إعادة بناء منظمة التحرير، توحيد مؤسسات غزة والضفة، هذا ما يعنيه تجديد الشرعية الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

وهنا لابد من ملاحظة جوهرية بانه لا ينبغي أن يبقى المجلس الوطني رهينة التعيين أو المجمعات الانتخابية غير المكتملة، بل يجب أن تصبح إعادة تشكيله جزءًا من عملية ديمقراطية وطنية تشمل الداخل والشتات وفق ترتيبات ديمقراطية متوافق عليها على راسها التسجيل والتصويت الإلكتروني لتجاوز العراقيل التي تضعها الدول لمشاركة الفلسطينيتين لديها، بما يساعد على إشراك الفلسطينيين في الخارج والمناطق التي يصعب فيها الوصول المباشر إلى مراكز الاقتراع في السفارات.

الثاني والعشرون: مشروعان إسرائيلي ودولي في مواجهة المشروع الوطني

يمكن قراءة المرحلة باعتبارها صراعًا بين ثلاثة مشاريع كبرى، مع وجود مشروع رابع لإدامة الوضع القائم.

المشروع الأول هو مشروع الحسم الإسرائيلي: إبقاء غزة تحت ترتيبات أمنية وسيطرة طويلة، وتكثيف السيطرة على الضفة، وتوسيع الاستيطان والضم، وتعميق تهويد القدس، وإبقاء الدولة الفلسطينية مؤجلة أو مستحيلة عمليًا.

المشروع الثاني هو مشروع الإدارة الدولية والإقليمية للأزمة: وقف الحرب، إعادة الإعمار، إدارة انتقالية، قوة استقرار، ترتيبات أمنية ومؤسساتية، مع خطر أن تتحول الإدارة المؤقتة إلى وصاية دائمة إذا لم ترتبط بإنهاء الاحتلال واستعادة الولاية الفلسطينية.

المشروع الثالث هو مشروع إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني: وحدة غزة والضفة والقدس، نظام سياسي ديمقراطي، حكومة وطنية، إعادة بناء منظمة التحرير، إنهاء الانقسام، إعادة الإعمار، مواجهة الاستيطان والضم، وانطلاق مسار دولي ملزم نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة.

أما المشروع الرابع فهو إبقاء الوضع الداخلي على حاله، مع الحفاظ على احتكار نخبة سياسية محدودة للقرار، وإجراء إصلاحات جزئية لا تمس جوهر بنية السلطة.

والرهان الوطني يجب أن يكون على تحويل المشروع الثالث إلى الخيار الفلسطيني الأكثر واقعية وقابلية للحياة.

الثالث والعشرون: ترتيبات غزة — الفرصة والمخاطرة

تشكل الترتيبات المتعلقة بغزة أحد أكثر الملفات تأثيرًا في مستقبل الانتخابات، فوجود لجنة لإدارة القطاع، أو قوة استقرار، أو ترتيبات دولية لإعادة الإعمار والأمن، قد يكون ضروريًا في مرحلة انتقالية إذا كان الهدف حماية المدنيين وإعادة بناء القطاع، ولكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الترتيبات من أدوات مساعدة إلى بديل عن الولاية السياسية الفلسطينية. وهنا ينبغي أن يكون المبدأ: الدعم الدولي مقبول، والوصاية الدولية مرفوضة، فلا يجوز أن تصبح لجنة إدارة غزة فوق الحكومة الفلسطينية، أو أن تصبح قوة الاستقرار فوق المؤسسات المنتخبة، أو أن تصبح ترتيبات الإعمار وسيلة لإعادة رسم النظام السياسي من خارج الإرادة الفلسطينية. ولهذا فإن أي ترتيبات انتقالية ينبغي أن تخضع لرقابة وطنية وبرلمانية، وأن تكون محددة المدة والوظيفة، وأن ترتبط بمسار واضح يعيد الولاية إلى مؤسسات فلسطينية شرعية وموحدة.

وهذا يظهر سؤال كبير تؤكده الوقائع الميدانية ماذا لو فشلت ترتيبات غزة؟

لا ينبغي أن تبنى الاستراتيجية الفلسطينية على افتراض نجاح أي ترتيبات دولية أو إسرائيلية، فقد ترفض إسرائيل بعض الترتيبات، أو تعرقلها، أو تفشل في توفير الظروف اللازمة لتنفيذها، وقد يؤدي ذلك إلى فراغ سياسي وإداري خطير، وفي هذه الحالة يجب ألا يكون البديل هو الفوضى، بل حكومة إنقاذ وطني أو حكومة كفاءات وطنية، تتولى إدارة الضفة وغزة، وتعمل تحت مظلة سياسية فلسطينية موحدة، وتكون مهمتها حماية المجتمع، وإدارة إعادة الإعمار، وتوحيد المؤسسات، والتحضير لاستكمال المسار الديمقراطي، وهذا السيناريو يجب أن يكون جزءًا من التخطيط الفلسطيني من الآن.

الرابع والعشرون: الانتخابات الإسرائيلية — عامل قد يقلب الحسابات

من الخطأ قراءة الانتخابات الفلسطينية بعيدًا عن الانتخابات الإسرائيلية، فنتائج الانتخابات الإسرائيلية يمكن أن تؤثر في موقف الحكومة المقبلة من غزة والضفة والاستيطان والضم والدولة الفلسطينية، كما يمكن أن تحدد حدود المناورة الأمريكية والدولية.

لكن المشكلة الأعمق أن قطاعات واسعة من الخارطة السياسية الإسرائيلية ترفض قيام دولة فلسطينية أو تضع شروطًا تجعلها غير قابلة للحياة، وهذا يعني أن انتظار «الحكومة الإسرائيلية المناسبة» قد يقود إلى انتظار بلا نهاية، ولهذا يجب أن يكون التحول الأساسي فلسطينيًا وعبر إعادة بناء النظام الفلسطيني بما يجعله أكثر قدرة على استثمار الفرص وأي تحول دولي أو إسرائيلي، بدل انتظار أن تصنع إسرائيل الحل للفلسطينيين.

الخامس العشرون: الانتخابات الأمريكية — الفرصة ليست في واشنطن وحدها

يمكن للانتخابات الأمريكية أن تغير مستوى الضغط على إسرائيل وطبيعة التعامل مع السلطة وغزة والضفة، وقد تشكل نتائج الانتخابات النصفية تطورا لصالح فلسطين ، ولكن لا ينبغي بناء الاستراتيجية الفلسطينية على انتظار نتيجة أمريكية، وخاصة ان الانتخابات لن تغيير الرئاسة الامريكية ، وهنا يجب التركيز على التأثير في الولايات المتحدة والموقف الدولي من خلال وجود

نظام سياسي موحد، شرعية منتخبة، قيادة جامعة، برنامج سياسي واضح، ومؤسسات قادرة على العمل، وعندها تستطيع القوى العربية والدولية أن ترى أمامها شريكًا فلسطينيًا واضحًا بدل مشهد منقسم ومتنازع على الشرعية، وهذا هو أحد أهم أسباب أهمية الانتخابات.

السادس والعشرون: هل يمكن أن تضع إسرائيل فيتو على الانتخابات؟

هذا احتمال واقعي يجب الاستعداد له، سواء عبر منع الانتخابات في القدس، أو اعتقال المرشحين، أو التدخل في الحركة، أو فرض قيود على العملية الانتخابية، أو محاولة التأثير على النتائج، وهنا لا ينبغي أن يكون الرد الفلسطيني هو التسليم بهذا الفيتو. وفي الوقت نفسه، لا يجوز إجراء انتخابات ناقصة تجعل الاحتلال قادرًا على تحديد من يشارك ومن لا يشارك.

ولذا يصبح المطلوب هو خطة وطنية لإدارة العملية الانتخابية ومواجهة التدخل الإسرائيلي بما يتضمن التحرك الدولي، وضمانات قانونية، وآليات بديلة للاقتراع، وتوثيق الانتهاكات، وربط أي عرقلة بمساءلة وضغط دولي.

السابع والعشرون: الجدل حول شكل القوائم ليس تقنيًا

سيكون شكل القوائم أحد أهم عناصر المعركة، وهل ستكون القوائم حزبية؟ وطنية؟ ائتلافية؟ مجتمعية؟ مستقلة؟ هل تتشكل قائمة واحدة؟ أم عدة قوائم تتفق بعد الانتخابات؟ فهذه الأسئلة ليست تقنية فقط. فالنظام الانتخابي قائم على القائمة وبالتالي هو من يحدد فرص ونسبة نجاح فتح وحماس والتيار والقوى الديمقراطية والمستقلين والشباب والنساء والقوائم المجتمعية، ومن هنا فإن الأفضل هو عدم الانشغال فقط بمن يضع اسمه في القائمة، وإنما بما إذا كان النظام الانتخابي ينتج، تعددية قابلة للحكم، أم تشظيًا يعيد إنتاج العجز.

قد تبدو القوى الفلسطينية الرئيسية متعارضة بصورة يصعب جمعها، ففتح تمتلك السلطة ومؤسساتها، وحماس تمتلك حضورًا تنظيميًا وشعبيًا وقدرة على التأثير ، والتيار الإصلاحي وقائده يمتلك حضورًا مجتمعيًا وسياسيا وشبكات علاقات وقدرات متعددة تؤهله للتحرك، والقوى اليسارية والديمقراطية تمتلك رصيدًا وطنيًا وفكريًا، والشخصيات المستقلة تمتلك خبرات متعددة وأحيانًا ثقة أعلى من ثقة الجمهور بالفصائل، والشباب يريدون كسر قواعد اللعبة القديمة. قد لا يكون بالإمكان جمع كل هذه القوى في قائمة واحدة، لكن يمكن جمعها حول قواعد جديدة للعبة السياسية، وهنا تحديدًا تكمن فكرة الكتلة التاريخية، فمن الخطأ اختزال الانتخابات في الثنائيات الشخصية والحزبية ، فالمعركة ليست فتح ضد حماس ، وليس عباس أم دحلان؟ او مروان وعباس وليست:قائمة ضد قائمة، انما السؤال التاريخي هو:هل يستطيع الفلسطينيون الانتقال من نظام سياسي قائم على الشخصنة والانقسام والتفرد إلى نظام قائم على المؤسسات والشراكة والتداول الديمقراطي؟ إذا نجحوا، فإن جميع القوى تستطيع أن تجد مكانها، وإذا فشلوا، فإن تغيير الأسماء لن يغير طبيعة الأزمة.

ويبقي السؤال ما الذي يريده الجمهور؟ هنا في معرض الإجابة تبدو قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني عالقة بين أربعة اتجاهات : اتجاه يريد استمرار التنظيمات كما هي ويحاول حماية موقعه، واتجاه يريد التخلص من المسؤولية عن الماضي والمحاسبة، واتجاه يخشى الفراغ والفوضى ويفضل الإبقاء على المؤسسات القائمة ولو مع إصلاحها، واتجاه رابع، يتسع خصوصًا بين الشباب، يريد شيئًا جديدًا، وهذا الاتجاه الأخير قد يكون العامل الأكثر أهمية في الانتخابات.

فهو لا يريد العودة إلى صراع فتح وحماس القديم، ولا يريد إعادة إنتاج التفرد، ولا يريد إلغاء المقاومة، ولا يريد دولة منزوعة الحقوق والسيادة، ولا يريد أيضًا استمرار الحرب والانقسام.

إنه يريد: حماية الإنسان الوجود الوطني في مواجهة الإبادة والضم الاستعماري والتهويد، وإعادة الإعمار، والديمقراطية، والوحدة، والكرامة، والعمل، والتعليم، ودولة فلسطينية وقبلها نظامًا سياسيًا قادرًا على الفعل، وهذه هي المساحة التي ينبغي أن تخاطبها القوائم الانتخابية.

الثامن والعشرون: سيناريوهات الانتخابات

لا ينبغي قراءة الانتخابات الفلسطينية المقبلة باعتبارها مجرد استحقاق دستوري لاختبار شعبية القوى والفصائل، وإنما باعتبارها لحظة صراع سياسي على مستقبل النظام الفلسطيني نفسه. فالانتخابات تجري في بيئة استثنائية تتداخل فيها أربعة مستويات من الصراع: الاحتلال والضم والتهويد، إعادة ترتيب قطاع غزة، أزمة الشرعية والانقسام الفلسطيني، والتنافس على إعادة تشكيل القيادة والنظام السياسي.

ومن ثم فإن السؤال المركزي ليس فقط: هل ستجري الانتخابات؟ بل: ماذا سيحدث إذا جرت؟ ومن سيحكم بعدها؟ وهل ستنتج تغييرًا حقيقيًا أم ستعيد إنتاج النظام القائم؟

وفي ضوء المعطيات السياسية الحالية، يمكن حصر المسارات الأكثر واقعية في خمسة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: انتخابات تتم وتعيد إنتاج النظام القائم

يفترض هذا السيناريو نجاح العملية الانتخابية في موعدها، وإجراء الانتخابات التشريعية بمشاركة عدد كبير من القوى، ثم تشكيل مجلس تشريعي جديد، لكن من دون تغيير جوهري في بنية النظام السياسي الفلسطيني. فتظل الرئاسة خارج التجديد الانتخابي، وتبقى منظمة التحرير ومجلسها الوطني دون إعادة بناء ديمقراطي شامل، وتستمر مؤسسات السلطة بالقواعد نفسها، بينما تتحول الانتخابات إلى عملية تجديد جزئي لشرعية النظام القائم.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنه قد يبدو للوهلة الأولى نجاحًا ديمقراطيًا كبيرًا: انتخابات، ناخبون، قوائم، مجلس تشريعي جديد، وربما حكومة جديدة. لكن النجاح الإجرائي لا يعني بالضرورة حدوث انتقال سياسي. فقد يحصل الفلسطينيون على مجلس جديد داخل نظام قديم، بحيث تصبح الانتخابات وسيلة لإعادة توزيع المقاعد داخل البنية القائمة بدل إعادة بناء هذه البنية.

لذلك فإن الانتخابات في هذا السيناريو تنتج شرعية إجرائية جديدة، لكنها لا تنتج بالضرورة شرعية سياسية وطنية مكتملة.

وقد يكون هذا السيناريو مريحًا للقوى التي ترغب في الحفاظ على توازنات النظام الحالية؛ لأنه يسمح بتجديد محدود للشرعية من دون فتح ملف إعادة توزيع السلطة بصورة شاملة.

التقدير: سيناريو ممكن، وخطورته أنه قد ينجح شكليًا ويفشل سياسيًا، عندها تصبح الانتخابات:

آلية لإعادة إنتاج الأزمة بغطاء ديمقراطي ، وهذا ما يجب منعه.

السيناريو الثاني: انتخابات تتم وتقود إلى الكتلة التاريخية

هذا هو السيناريو الأكثر تحولًا، لأنه ينظر إلى الانتخابات باعتبارها بداية عملية إعادة تأسيس للنظام السياسي الفلسطيني وليس نهايتها.

في هذا المسار يمكن أن تدخل القوى الانتخابات بقوائم متعددة، أو بتحالفات انتخابية متفاوتة، لكن النتائج تخلق واقعًا جديدًا يدفع القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية والمجتمعية والمستقلة إلى تشكيل كتلة تاريخية داخل المجلس وخارجه. والكتلة التاريخية هنا ليست بالضرورة قائمة انتخابية واحدة. بل هي تفاهم سياسي طويل المدى بين قوى مختلفة تتفق على تغيير قواعد النظام السياسي.

وتكمن أهميتها في أنها لا تقوم على السؤال التقليدي: من حصل على أكبر عدد من المقاعد؟ وإنما على سؤال آخر: كيف نحول نتائج الانتخابات إلى عملية انتقال سياسي ديمقراطي؟

وفي هذا السيناريو تصبح الانتخابات التشريعية الحلقة الأولى لمسار متكامل:

وهنا تصبح الكتلة التاريخية قادرة، بحكم وزنها الشعبي والبرلماني، على ممارسة ضغط سياسي على الرئاسة وفتح وبقية القوى من أجل استكمال الاستحقاقات الديمقراطية.

التقدير: السيناريو الأكثر قدرة على تحويل الانتخابات إلى نقطة تحول تاريخية، لكنه يحتاج إلى قيادة سياسية ناضجة واتفاق على "اليوم التالي “عبر وجود ميثاق سياسي قبل الانتخابات ، يلتزم باستكمال الرئاسة والمجلس الوطني وإصلاح منظمة التحرير وتوحيد المؤسسات.

السيناريو الثالث: انتخابات تتم وتنتج تعددية بلا أغلبية، لكنها تفشل في بناء التغيير

هذا السيناريو أكثر تعقيدًا ، حيث تجري الانتخابات، وتتعدد القوائم، ولا تحصل أي قوة على أغلبية تمكنها من تشكيل الحكومة، وتظهر أمام الناخب الفلسطيني خريطة جديدة تضم فتح، وحماس أو قائمة وطنية تشارك فيها، وتيار الإصلاح، والقوى اليسارية، وشخصيات وطنية، ومستقلين، وقوائم شبابية ومجتمعية.

وقد تكون هذه النتيجة في ظاهرها إيجابية؛ لأنها تنهي احتكار قوة واحدة للبرلمان، لكن التعددية لا تعني تلقائيًا التغيير.

فقد يتحول المجلس الجديد إلى ساحة للمساومات والمحاصصة، بحيث تتوزع المناصب والمقاعد والوزارات بين القوى، بينما تبقى القضايا البنيوية دون حل، وهنا يمكن أن يظهر نموذج:

برلمان متعدد، لكن نظام سياسي واحد، أي أن التعددية تغير تركيبة المجلس، لكنها لا تغير طريقة إدارة النظام.

وقد تتكرر تجربة الانقسام ولكن بأشكال أكثر تعقيدًا: لا أغلبية، ولا قدرة على تشكيل حكومة مستقرة، ولا اتفاق على الرئاسة، ولا توافق على منظمة التحرير، ولا حل لمشكلة غزة، ولا استراتيجية موحدة في مواجهة الاحتلال.

ويزداد الخطر إذا دخلت القوى الانتخابات من دون اتفاق على قواعد تشكيل الحكومة والاحتكام إلى المؤسسات، بحيث يتحول البرلمان إلى ساحة تعطيل متبادل. وفي هذه الحالة يمكن أن تنشأ ثلاثة اتجاهات:إما حكومة ائتلافية ضعيفة؛ أو حكومة كفاءات انتقالية محدودة الصلاحيات؛ أو العودة إلى الصفقات الثنائية بين القوى الأكبر، بما يعيد إنتاج النظام القديم بصورة جديدة.

وهذا السيناريو يوضح أن المشكلة ليست فقط في غياب الأغلبية، وإنما في غياب ثقافة الائتلاف السياسي المسؤول.

وقد تكون القوى الثالثة والمستقلون والشخصيات الوطنية أصحاب الوزن المحدود نسبيًا هم القوة المرجحة التي تحدد اتجاه البرلمان، لكن ذلك يتطلب قدرتهم على العمل ككتلة سياسية وليس كمجموعة من المقاعد المتفرقة.

التقدير: سيناريو واقعي جدًا في ظل تعدد القوائم، لكنه قد ينتج تغييرًا محدودًا إذا لم يتحول إلى كتلة سياسية قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، ولذا المطلوب تعزيز قدرة القوى المنتخبة على الانتقال من «تعددية المقاعد» إلى "تعددية سياسية منتجة".

الرابع: الانتخابات تؤجل أو تفشل أو تعيد إسرائيل هندستها

هذا هو سيناريو القوة القاهرة والفيتو الإسرائيلي. فإسرائيل تملك أدوات واسعة للتأثير في العملية الانتخابية، خصوصًا في القدس، وحركة المرشحين والناخبين، والضفة الغربية، والاعتقالات، والحواجز، والسيطرة على البيئة الأمنية والاقتصادية.

وقد لا يكون التدخل الإسرائيلي بالضرورة إعلانًا صريحًا برفض الانتخابات، بل يمكن أن يتم من خلال إعادة هندسة شروطها. فقد تمنع مشاركة مرشحين، أو تعتقل شخصيات، أو تعرقل الحملات الانتخابية، أو تمنع الاقتراع في القدس، أو تفرض قيودًا على الحركة، أو تستخدم السيطرة على الأرض لتغيير البيئة السياسية. وقد تصل الأمور إلى تأجيل الانتخابات أو إلغائها جزئيًا أو كليًا. وهنا تظهر معضلة سياسية وقانونية شديدة الحساسية: كيف يمنع الفلسطينيون إسرائيل من تعطيل الانتخابات، من دون إجراء انتخابات ناقصة تعطي الاحتلال حق تحديد من يمثل الشعب الفلسطيني؟

ولعل الموقف الاستراتيجي الأكثر توازنًا هو عدم السماح لإسرائيل باستخدام الاحتلال ذريعة لإلغاء الحق الديمقراطي، وفي الوقت نفسه عدم قبول انتخابات مشوهة تُستبعد منها القدس أو أجزاء من غزة والضفة بصورة دائمة.

لذلك يجب أن يكون هناك بروتوكول وطني للقوة القاهرة قبل الانتخابات، يحدد كيفية التعامل مع: منع الاقتراع في القدس، واعتقال المرشحين، ومنع الحملات الانتخابية وتعطيل حركة الناخبين، التدخل العسكري في غزة، وتعطيل الاقتراع في مناطق محددة.

والهدف هو التعامل مع الاحتلال باعتباره عائقًا يجب تجاوزه سياسيًا وقانونيًا، وليس شريكًا في تحديد قواعد الديمقراطية الفلسطينية.

وفي هذا السيناريو يصبح المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل يحمي حق الفلسطينيين في الانتخابات، أم يسمح لإسرائيل بأن تحدد شكل التمثيل السياسي الفلسطيني؟

التقدير: احتمال جدي يجب الاستعداد له منذ الآن، ولا يجوز التعامل معه باعتباره احتمالًا ثانويًا.

السيناريو الخامس: انتخابات تجري وتصطدم بترتيبات غزة الدولية

هذا السيناريو هو الأكثر ارتباطًا بالتحولات الجارية في قطاع غزة، فقد تجري الانتخابات الفلسطينية بنجاح، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ بعد إعلان النتائج:من يملك الولاية على غزة؟ هل الحكومة الفلسطينية المنتخبة؟ هل المجلس التشريعي؟ هل لجنة إدارة غزة؟ هل قوة الاستقرار الدولية؟ هل ترتيبات «مجلس السلام»؟ أم خليط من هذه المؤسسات والترتيبات؟

هنا قد تنشأ حالة خطيرة: انتخابات فلسطينية تنتج شرعية، وترتيبات دولية تنتج سلطة فعلية على الأرض.وفي هذه الحالة يصبح الفلسطيني أمام ازدواجية خطرة بين:الشرعية الانتخابية الفلسطينية والإدارة الفعلية الدولية والإقليمية لقطاع غزة.

وقد يكون الهدف المعلن من الترتيبات الدولية هو وقف الحرب وإعادة الإعمار وتحقيق الأمن وتوفير الخدمات، وهي أهداف لا يمكن رفضها من حيث المبدأ.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الترتيبات الانتقالية إلى وصاية سياسية طويلة الأمد، أو عندما تصبح مؤسسات غزة غير خاضعة للحكومة الفلسطينية المنتخبة، أو عندما تُستخدم قضايا السلاح والأمن والإعمار لإبقاء القرار السياسي خارج المؤسسات الفلسطينية.

ولهذا فإن التعامل الواقعي مع هذه الترتيبات يجب ألا يكون بمنطق الرفض المطلق ولا القبول المطلق، بل: عبر التعاون الدولي في إعادة الإعمار والأمن والحماية الإنسانية، مع رفض الوصاية السياسية، وضمان أن تكون المرحلة الانتقالية مؤقتة ومحددة الصلاحيات والمدة، وتنتهي إلى ولاية فلسطينية موحدة ومؤسسات منتخبة.

وهنا يمكن أن تصبح الحكومة الفلسطينية المقبلة، إذا فشلت الترتيبات الدولية أو تعثرت، أمام فرصة تشكيل حكومة إنقاذ وطني أو حكومة كفاءات وطنية تتولى إدارة غزة والضفة بصورة موحدة.أما إذا نجحت الترتيبات الدولية ولكنها تجاوزت المؤسسات الفلسطينية، فسيكون التحدي هو بناء آلية رقابة وطنية وبرلمانية تضمن عدم تحول الترتيبات المؤقتة إلى بديل عن النظام السياسي الفلسطيني.

التقدير: سيناريو شديد الحساسية، وقد يكون هو الاختبار الحقيقي لما بعد الانتخابات أكثر من نتائج الانتخابات نفسها.

هذه السيناريوهات الخمسة لا تتحرك بصورة منفصلة؛ بل يمكن أن تنتقل من واحد إلى آخر.

فقد تبدأ الانتخابات بالسيناريو الثالث، أي تعددية بلا أغلبية، ثم تتحول إلى السيناريو الثاني إذا استطاعت القوى تشكيل كتلة تاريخية.

وقد تبدأ بالسيناريو الأول، أي إعادة إنتاج النظام، ثم تتحول إلى أزمة إذا رفض المجتمع النتائج السياسية ولم تستكمل الرئاسة وإصلاح منظمة التحرير.وقد تنجح الانتخابات في الضفة والقدس، ثم تنتقل مباشرة إلى السيناريو الخامس بسبب ترتيبات غزة.وقد يؤدي التدخل الإسرائيلي إلى نقل العملية كلها إلى السيناريو الرابع .ومن هنا فإن الكتلة التاريخية ليست مجرد أحد السيناريوهات؛ بل يمكن أن تكون أداة لمنع أسوأ السيناريوهات الثلاثة: إعادة الإنتاج، والشلل، والوصاية.

والهدف الاستراتيجي يجب أن يكون تحويل الانتخابات من: استحقاق تشريعي محدود إلى: مسار لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني. وبالتالي فإن معيار نجاح الانتخابات لا ينبغي أن يكون فقط: هل وُضعت الصناديق؟ بل: هل أنتجت الانتخابات قدرة فلسطينية موحدة على اتخاذ القرار، واستكمال الشرعيات، وإدارة غزة والضفة، وإعادة بناء منظمة التحرير، ومواجهة الاحتلال والضم، وفتح الطريق نحو الدولة وإنهاء الاحتلال؟

وهنا تكمن المعركة الحقيقية: ليس من يفوز بالمقاعد، بل من يستطيع أن يمنع تحويل الانتخابات إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة أو إلى بوابة لوصاية جديدة، ويجعل منها بداية لتحول فلسطيني تاريخي.

التاسع والعشرون: السلطة — إصلاحها لا هدمها

لا يمكن بناء الدولة الفلسطينية من خلال هدم المؤسسات القائمة، فالسلطة الوطنية، رغم عيوبها ومشكلاتها ومسؤولية قيادتها عن جانب كبير من الأزمة، تمثل بنية مؤسسية فلسطينية لا ينبغي تركها تنهار في فراغ قد تستفيد منه إسرائيل أو قوى دولية وإقليمية أخرى، ولعل المطلوب هنا في ظل المعطيات الراهنة ، إصلاح السلطة، لا إلغاءها، توحيدها، لا تفكيكها، ودمقرطتها، لا احتكارها، ومحاسبتها، لا تدميرها، وهذا يتطلب إعادة تعريف وظيفتها من إدارة يومية مقيدة بالاحتلال إلى أداة وطنية في مسار التحرر وبناء الدولة.

الثلاثون: منظمة التحرير — الغائب الأكبر في الانتخابات

ربما يكون أخطر ما في الانتخابات التشريعية الحالية أن منظمة التحرير، بوصفها الإطار الوطني الجامع، لا تحتل الموقع الذي ينبغي أن تحتله في عملية التجديد الديمقراطي.، السلطة ليست بديلًا عن منظمة التحرير، فالمجلس التشريعي ليس بديلًا عن المجلس الوطني، والانتخابات داخل الضفة وغزة ليست بديلًا عن تمثيل الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم. ولهذا فإن أي مشروع لإعادة بناء النظام السياسي يجب أن يتعامل مع منظمة التحرير باعتبارها المظلة السياسية الوطنية، وأن يعمل على إصلاحها وإعادة بناءها وتوسيع تمثيلها وتجديد مؤسساتها، واجراء انتخابات لمجلسها الوطني عبر صيغة ديمقراطية يمكن ان يوفرها التصويت والتسجيل الإلكتروني عدا عن انتخابات الاتحادات الشعبية بدلا من المحاصصة او التعين.

الحادي والثلاثون: نحو صيغة فلسطينية جديدة، الديمقراطية التوافقية لا الديمقراطية الإقصائية

لا تستطيع فلسطين تحمل عودة نظام الأغلبية المطلقة الذي يجعل طرفًا واحدًا يعتقد أن فوزه يمنحه حق احتكار السلطة. كما لا تستطيع تحمل توافق يتحول إلى حق فيتو دائم لكل فصيل.

وهنا المطلوب هو ديمقراطية توافقية متحركة: انتخابات تمنح الشرعية، وبرلمان يراقب الحكومة، وائتلافات تتشكل وفق النتائج، وضمانات دستورية للمعارضة، وشراكة في القضايا الوطنية الكبرى، مع احترام التداول السلمي للسلطة، أي: لا تفرد باسم الأغلبية، ولا تعطيل باسم التوافق.

الثاني والثلاثون: التعامل مع السلاح والمقاومة — من الصدام إلى المعالجة الوطنية

من أكثر الملفات حساسية قضية السلاح والمقاومة طالما بقي الاحتلال ، ولا يمكن حلها بشعار، كما لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لإبقاء الانقسام، ولعل المطلوب معالجة وطنية متدرجة تربط قضية السلاح باستراتيجية وطنية شاملة للتحرر، وبإعادة بناء الأجهزة والمؤسسات، وبالانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الاعمار في غزة وبالأمن المجتمعي، وبقرار وطني موحد، وهذا ما جري الاتفاق عليه في حوارات القاهرة ولكن الأهم هو الزام الاحتلال بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه ، كما يجب الفصل بين حق الشعب في مقاومة الاحتلال وفق قواعد القانون الدولي وبين الفوضى المسلحة أو الاستخدام الداخلي للسلاح. فالهدف ليس نزع قدرة الشعب على مقاومة الاحتلال لصالح إسرائيل، ولا ترك السلاح خارج أي إطار وطني كما ان المقاومة لا تقتصر فقط على السلاح وانما تشمل المقاومة الشعبية والسلمية والملاحقة والدبلوماسية والتضامن وتعزيز الصمود وغيرها من اشكال ، كما يجب الوصول إلى قرار وطني موحد للمقاومة والسياسة والأمن.

الثالث والثلاثون : من معركة المقاعد إلى معركة المستقبل

تدخل فلسطين الانتخابات المقبلة وهي أمام أربع اتجاهات متنافسة على مستقبلها: مشروع إسرائيلي يريد تحويل الاحتلال والضم والاستيطان والتهويد إلى واقع دائم، ومشروع دولي/إقليمي يريد إدارة الحرب وإعادة الإعمار وترتيبات غزة، مع خطر الانزلاق إلى وصاية طويلة الأمد. ومشروع فلسطيني محافظ يريد إجراء انتخابات محدودة داخل النظام القائم مع الحفاظ على بنيته الأساسية. ومشروع وطني إصلاحي يريد استخدام الانتخابات لإعادة بناء النظام السياسي، وإنهاء الانقسام، وإصلاح السلطة، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتوحيد غزة والضفة، وتجديد الشرعية، وبناء استراتيجية وطنية لإنهاء الاحتلال.

والمعركة الحقيقية بين هذه المشاريع لن تُحسم فقط بعدد المقاعد، فحتى لو حصل طرف على الأغلبية، فإنه لن يستطيع وحده حل المعضلات الكبرى: الاحتلال، وغزة، والقدس، والانقسام، ومنظمة التحرير، والرئاسة، والعلاقات الدولية، وإعادة الإعمار، الخ

ولهذا فإن الكتلة التاريخية ليست رفاهًا سياسيًا، وإنما قد تكون الحاجة الأكثر إلحاحًا، مع أهمية توضيح بان الكتلة ليست ضد حركة سياسية او شخص أي ما كان موقعه.

وانما كتلة: لمنع الإقصاء والتفرد والانتقام، ولحماية المؤسسات ولإعادة بناء النظام، ولتجديد الشرعية، ولإنهاء الانقسام، ولإعادة اصلاح السلطة وبناء منظمة التحرير، ولتوحيد غزة والضفة والقدس، ولحماية الشعب وإعادة إعمار غزة، ولمواجهة الضم والاستيطان والتهويد، ولفتح الطريق أمام إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة.

وفي هذا السياق، فإن التحركات الجارية لتشكيل كتلة تاريخية او قوائم وتحالفات محتملة بين مختلف القوى الوطنية والديمقراطية والمستقلين، والقوائم الشبابية والمجتمعية، ليست مجرد تفاصيل انتخابية؛ بل هي مؤشرات مبكرة على إعادة تموضع واسعة في الخريطة السياسية الفلسطينية. وقد يكون التحول الأهم أن القوى التي كانت تتنافس على تمثيل الشعب بدأت تدرك أن أحدًا منها لا يستطيع وحده إدارة المرحلة المقبلة.

الرابع والثلاثون: سلم الخيارات السياسية أمام القوى الفلسطينية

يمكن تلخيص الخريطة العملية على النحو الآتي، قائمة فتح مع بقاء المعارضين ، وقائمة فتح الموحدة وهي الأفضل لفتح إذا قامت على الشراكة والعدالة وإعادة بناء الحركة، لا على جمع الأجنحة انتخابيًا فقط، وهذا مستبعد، قائمة كل الوطن وهي محاولة لتجميع قوى منظمة التحرير وفتح على مشروع سياسي حقيقي للإصلاح فقد تكون ذات وزن؛ أما إذا اقتصرت على إعادة إنتاج القيادة القائمة فستواجه مشكلة المصداقية، و«قائمة المستقبل» أو قائمة إصلاح وطنية موسعة، وهي مساحة يمكن أن تجمع التيار الإصلاحي والكفاءات والشخصيات الوطنية والمستقلين والشباب والنساء، قائمة لمروان البرغوثي مع شخصيات فتحاوية معارضة للقيادة الحالية لفتح والسلطة ، وتحالف وطني واسع يضم حماس والتيار الإصلاحي وقوى وطنية وديمقراطية وشخصيات وطنية ومجتمعية مستقلة، وهو خيار ممكن وقد بدء العمل عليه والحديث حوله ، ولكنه يحتاج إلى عقد سياسي واضح يمنع تحوله إلى محاصصة، او قوائم متعددة ثم كتلة برلمانية تاريخية، وهو خيار قد يكون الأكثر مرونة وواقعية في حال تعذر تشكيل كتلة وطنية واحدة

واي ما كانت التحالفات او القوائم لا ينبغي أن تصبح الانتخابات سباقًا لتجميع أكبر عدد ممكن من الأسماء فالتحالف الذي لا يقوم على برنامج قد يصبح عبئًا، والوحدة التي لا تقوم على إصلاح قد تصبح إعادة إنتاج للتفرد، والاستقلال الذي لا يبحث عن شراكة قد يتحول إلى عزلة، ولهذا فإن القاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة هي: وحدة عندما تكون وحدة حقيقية، تحالف عندما يكون التحالف قادرًا على التغيير، تعدد عندما يكون التعدد أكثر صدقًا، وكتلة تاريخية قبل او بعد الانتخابات عندما يتعذر جمع الجميع قبلها.

الخامس والثلاثون الخاتمة:

ليس المطلوب أن يربح طرف الانتخابات لكي يخسر الفلسطينيون مرة أخرى، المطلوب أن تربح فلسطين، وتربح فلسطين عندما تتحول الانتخابات من معركة على المقاعد إلى معركة على مستقبل النظام. ومن: التنافس على السلطة إلى إصلاح السلطة، ومن: إدارة الانقسام إلى إنهائه ومن: احتكار الشرعية إلى تجديدها، ومن: التعيين إلى الانتخاب، ومن الشخصنة إلى المؤسسة ومن الانتقام إلى العدالة الانتقالية والمساءلة، ومن إدارة الأوضاع تحت الاحتلال إلى استراتيجية إنهائه، وتوظيف العلاقات العربية والإقليمية والدولية لمصلحة القرار الوطني ودعم الحقوق الفلسطينية، ومن القبول بالوقائع الاستعمارية الى مواجهتها ومن: غزة والضفة كساحتين منفصلتين إلى فلسطين كوحدة سياسية ووطنية واحدة. والانتخابات المقبلة، مهما كانت حدودها، يمكن أن تكون شرعية إجرائية محدودة إذا اكتفينا بالمجلس التشريعي لكنها يمكن أن تتحول إلى بداية شرعية سياسية وطنية جديدة إذا ارتبطت بإرادة شعبية لإعادة بناء النظام. وهنا تحديدًا تتحدد وظيفة الكتلة التاريخية: فليست مهمتها الفوز على الآخرين، وإنما منع أي طرف من العودة إلى احتكار النظام، وإجبار الجميع على الشراكة، وتحويل نتائج الانتخابات إلى انتقال سياسي ديمقراطي شامل، والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة ليست: من سيحكم فلسطين؟

بل: كيف يستعيد الفلسطينيون حقهم في أن يحكموا أنفسهم، وأن يقرروا مستقبلهم، وأن يبنوا نظامًا سياسيًا قادرًا على حماية شعبهم وحقوقهم عبر استراتيجية نضالية وطنية شاملة لإنهاء الاحتلال، وفتح الطريق أمام الدولة الفلسطينية؟ وعندها فقط يصبح صندوق الاقتراع أكثر من صندوق، يصبح مدخلًا لاستعادة الإرادة الوطنية. ويصبح البرلمان أكثر من مؤسسة تشريعية، يصبح بداية إعادة بناء النظام السياسي. وتصبح الكتلة التاريخية أكثر من تحالف انتخابي، لتتحول لأداة انتقال من نظام الأزمة إلى نظام الشراكة، ومن إدارة الانقسام إلى الوحدة، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته.

فالمعركة المقبلة ليست على من يملك أكبر عدد من المقاعد، وإنما على من يستطيع أن يحول الانتخابات إلى لحظة تأسيس فلسطينية جديدة.